سوريا: تذليل التناقضات

السبت 2016/07/09

على الرغم من توزع الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع السوري على معسكرين متعارضين هما معسكر ما يمسى بـ“أصدقاء الشعب السوري” ومعسكر حلفاء بشار الأسد، إلا أن مشهد التحالفات السياسية والعسكرية ليس بهذا الوضوح. إذ تغلب سياسة التنسيق الثنائي بين أطراف من كلا المعسكرين، والسبب الرئيسي لذلك هو التناقضات بين أطراف المعسكر الواحد والتي بدا واضحا، بعد خمس سنوات من تشكيل تلك التحالفات، أنه لا يمكن تذليلها.

قبل يومين عاودت الطائرات الإسرائيلية تنفيذ ضربات جوية في سوريا استهدفت حزب الله اللبناني في ريف القنيطرة. ويأتي ذلك بعد المحادثات التي جرت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول ضرورة التنسيق لتفادي التصادم بين الجيشين الإسرائيلي والروسي في سوريا. وتكمن المفارقة في أن حزب الله يقاتل إلى جانب نظام الأسد وتحت حماية الطائرات الروسية في المعارك التي يخوضها ضد المعارضة السورية. ولكن، ما إن تظهر الطائرات الإسرائيلية في أجواء سوريا حتى تغيب الدفاعات الجوية الروسية فاتحة الطريق لاستهداف قيادات حزب الله وما تقول إسرائيل إنه شحنات أسلحة يتم نقلها إلى الحزب في لبنان. وهل من تناقض أكبر من أن تتخذ روسيا من حزب الله وإيران من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى حلفاء في ملف واحد هو الملف السوري.

التناقض الآخر هو بين حلفاء المعارضة السورية، فهنالك الولايات المتحدة الأميركية بسياستها المترددة تجاه المعارضة بكل أطيافها وذلك تحت ذريعة هيمنة التيار الإسلامي على المشهد العسكري في سوريا. وهنالك أيضا السياسة التركية المخالفة لنظيرتها الأميركية والتي أظهرت اندفاعا تجاه الإسلاميين، بل عملت على توجيه الدعم إلى الفصائل الأشد تطرفا، وهو ما ساهم في الوصول إلى المشهد الحالي الذي يخدم الأسد بصورة أو بأخرى. التناقض التركي – الأميركي تصاعد إلى حدوده القصوى بعد تحالف واشنطن مع قوات سوريا الديمقراطية، التي يهيمن عليها الأكراد، وتجاهل مطالب تركيا بصورة مهينة.

تعددت التناقضات لدى المعسكر المناهض للنظام السوري، إذ لم يحدث أن اتفقت أطرافه على سياسة محددة من أجل الضغط على الأسد عسكريا والدفع باتجاه الحل السياسي. كان التخبط هو السائد فكل دولة تدعم فصيلا مختلفا، وهو ما أدى إلى ضرب وحدة العمل المسلح ضد النظام السوري وتشتيت جهوده.

وبالمقابل، ظهر التناقض الإيراني الروسي منذ لقاء جنيف 1 في العام 2012. فما وافقت عليه روسيا لم يكن مدرجا ضمن الحسابات الإيرانية، الأمر الذي دفعها إلى الامتناع عن حضور مؤتمر جنيف 2 بسبب رفضها مقررات جنيف 1 التي أقرها حليفها الروسي.

على أن تلك التناقضات بدأت تنتج تحالفات وتقاطعات بين أطراف من كلا المعسكرين. تركيا تجري تحولا دراماتيكيا بتمتين علاقاتها مع دولتين طالما ناصبتهما العداء والتصريحات النارية وهما روسيا وإسرائيل. في ما يخص روسيا، لم ترغب تركيا في أن تدفع بالتوتر معها إلى الحدود القصوى التي وصلت إلى قطع العلاقات الاقتصادية وتراشق الاتهامات بشكل تضمن تشويها للتاريخ العثماني من جانب موسكو، وللتاريخ القيصري الروسي من جانب تركيا. من المرجح أن الصدمة التي تلقتها تركيا من قبل أميركا وأوروبا عجلت برضوخ الرئيس التركي وتقديمه اعتذارا لموسكو. ويمكن ملاحظة أن المصالحة الروسية التركية حدثت بسرعة نسبيا، إذ لم يمض زمن بعيد على حادث تحطم الطائرة الروسية والذي تلاه تراشق حاد للاتهامات التي بدا أن وقفها مستحيل في وقت قريب.

فتحت التناقضات داخل المعسكر الواحد باب التعاون التركي الروسي، كما فتحت قبل ذلك باب التعاون الأميركي الروسي في الملف السوري، والذي بدا بمثابة بصيص الأمل شبه الوحيد للانطلاق نحو حل سياسي. لم يكن ليتم ذلك التعاون لولا العقبات والخلافات والتناقضات التي تواجهها أميركا مع حلفائها، ولا يقتصر الأمر على تركيا بل على الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي ظهر بوضوح اختلاف مقاربتها للأزمة السورية عن حليفها الأميركي.

إن التحالفات الكبيرة منسجمة الأهداف هي دعاية إعلامية أكثر من كونها أمرا واقعيا، فالتناقضات داخل معسكر حلفاء النظام ومعسكر أعدائه تتسع باستمرار. وقد كان ذلك أحد أهم أسباب الاستعصاء الذي طبع الحالة السورية ومنع التوصل إلى حل سياسي.

كاتب فلسطيني سوري

9