سوريا تستذكر مناخات وحيد مغاربة الشامية في معرض استعادي

معرض فني يضم اثنتي عشرة لوحة فنية تختصر مسيرة الفنان التشكيلي التي امتدت لأكثر من نصف قرن.
السبت 2021/09/18
لوحات تسرد حركة الناس في البيئة الشامية

حلب (سوريا) - يتواصل حتى نهاية شهر سبتمبر الجاري في صالة الأسد للفنون الجميلة بمدينة حلب السورية، معرض استعادي للفنان الراحل وحيد مغاربة (1942 - 2018)، ضم اثنتي عشرة لوحة فنية تختصر مسيرته التشكيلية التي امتدت لأكثر من نصف قرن.

وعن المعرض قال جابر الساجور مدير الثقافة بحلب “اللوحات المعروضة هي من مقتنيات جمعية أصدقاء الفنان فتحي محمد للفنون التشكيلية، والتي تعود كلها للفنان مغاربة، وقد تمّ عرضها بهدف إطلاع الجيل الجديد على هذه الأعمال، تأكيدا على عالمية الراحل باعتباره قدوة لهؤلاء الشباب لمتابعة مسيرة أعماله كونه من الأساتذة الكبار في مجال التشكيل”.

وأشارت نوران جبقجي رئيس فرع حلب لاتحاد الفنانين التشكيليين إلى أن المعرض حفل بالقيم الفنية للفنان الحلبي الراحل، الذي احتوى رصيده على الكثير من المعارض واللوحات التي ضمّت البيئة الشرقية والحياتية التي كان يعيشها أهل حلب في الماضي بتفاصيلها البسيطة، من بائع الأقمشة إلى بائع الفخار وجميع الظروف البيئية المحيطة، إضافة إلى احتوائها على المنظور المعماري والفن الزخرفي وفن الأيقونات.

الفنان الراحل استمدّ موضوعات لوحاته من الأسواق الشعبية وملامح المرأة الشامية وتراث مصوّري المنمنمات

وأكّد أحمد كسار رئيس مجلس إدارة جمعية أصدقاء فتحي محمد للفنون التشكيلية، أن التظاهرة تأتي تكريما للفنان الراحل مغاربة من خلال عرض مجموعة من أعماله التي تم جمعها منذ عام 2014 حتى عام 2018.

وأشاد الفنان التشكيلي السوري أيمن الأفندي بأهمية هذه الفعاليات التي تضيء على جمالية وإبداعات الفنانين، ولاسيما الفنان مغاربة لكون أهل حلب متعطشّين لمثل هذه النشاطات التي تخلّد الحركة التشكيلية بالمدينة السورية وروّادها.

ونهلت تجربة الفنان التشكيلي وحيد مغاربة المولود في العام 1942 بمدينة حلب من معين التراث نحو عوالم الحداثة، مستمدا موضوع لوحاته من الأسواق الشعبية وملامح العمارة الشامية وتراث مصوّري المنمنمات.

وهو الذي حمل على امتداد ستة عقود من العمل الاحترافي علوم الشرق إلى الغرب ومزج بين ألوانها وأنتج ألوانا صافية وممتعة، وتقاربت أفكاره من التيارات التي نشأ بها واندمج في ما بعد ضمن أكاديمية روما للفنون الجميلة التي كانت مركزا لكل أنواع التطوّر الفني.

وفي العاصمة الإيطالية درس الراحل الفن التشكيلي دراسة خاصة ليحصل عام 1978 على إجازة في التصوير من أكاديمية روما، مكوّنا تجربة فنية استطاع أن يجمع فيها بين براعة التكوين وروعة التلوين إلى جانب الأصالة المستمدة من الموروث السوري.

وسمات الأصالة المتجلية في التصوير العربي التي حملها مغاربة استخدم فيها أسلوبا معاصرا موازيا للغة التشكيلية العالمية، فأقام أكثر من عشرين معرضا فرديا في سوريا ولبنان وإيطاليا، إضافة إلى مشاركاته في العشرات من المعارض الجماعية داخل سوريا وخارجها منذ العام 1961 وحتى رحيله في السابع عشر من ديسمبر 2018.

وأعمال الراحل تخرج من نفسه ومن ألوانه ليلاحظ عاشق الفن التشكيلي أن المقدّس عنده ما يمسّ الحالة الشعبية، والحالة الفطرية لديه كل ما هو حضاري لتتراكم بذلك أيقوناته وتشكل كلا واحدا في تكوين يرتقي بالحالة التشكيلية إلى تمجيد الحياة والتطلع نحو الأفضل.

ولعبت البيئة الشعبية في مدينة حلب دورا فاعلا في تكوينه الروحي والنفسي، فقد عاش طفولته في أحد الأحياء الشعبية في مدينة حلب، وأتمّ دراسته الابتدائية فيها. وكان يصرف جلّ وقته في الرسم، وهو المحب للعزلة، حتى أنه كان يمضي وقته وحيدا بين أوراقه وألوانه.

زخرفة جمالية تجمع بين براعة التكوين وروعة التلوين
زخرفة جمالية تجمع بين براعة التكوين وروعة التلوين

وحين اجتاز الإعدادية إلى الثانوية اختار الفرع الأدبي الذي يتوافق مع حبّه للأدب والفن والشعر، وإثر حصوله على شهادة الدراسة الثانوية، انصرف إلى تدريس مادة التربية الفنية في مدارس حلب، ممّا وفّر له المال لشراء الألوان، وراح يتقرّب من الأوساط الفنية والثقافية، فتعرّف إلى طالب يازجي ورولان خوري ووليد إخلاصي الذي كتب عن الفنان “كانت زيارته هي الأولى لي، وكانت عدّة الحديث لوحات صغيرة مرسومة على الورق المقوى والبورسلين، أذكر أنّني سألته: لماذا ترسم؟ فلم يجبني، وظل مدّة يتأمّل ألوانه الصارخة والبدائية، فأعدت السؤال عليه، فأجاب: لا أستطيع إلاّ أن أرسم”.

وكان مغاربة أعدّ رسوم كتاب “تاريخ الطب عند العرب” الصادر في باريس، كما ساهم في الرسوم التوضيحية العلمية لمجلتين كانتا تصدران في لندن، وتناولت أعماله الكثير من الصحف في سوريا ولبنان والخليج العربي وأوروبا.

كما كتب عن تجربته الفنية العديد من النقاد، كان آخرها كتاب “وحيد مغاربة مسيرة الإبداع بين التأصيل والتحديث” الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب للباحث طاهر البني ضمن سلسلة مسارات فنية، وقد صدر الكتاب قبل رحيل مغاربة بأشهر قليلة، وفيه رصد لمسيرة الفنان والمعارض التي أقامها في سوريا وخارجها وصداها في وسائل الإعلام.

ويؤكّد الباحث في كتابه أن نتاج مغاربة يعكس تأثير البيئة في حياته وحبه للعزلة التي رافقته طوال حياته في حلب وروما، والتي هيّأت له فرصة وافية للتأمّل والتفكير في ما يرسم ورصده للبيئة والحياة من حوله ليحوّلها إلى موضوعات تزخر بها رسومه.

وضمّ البني إلى كتابه مقتبسات من أقوال الفنان نفسه وشهادات لآخرين عنه، كما عرض المؤثرات الفكرية والفنية في لوحات مغاربة من تأثّر بالمناخات الشعبية وحركة الناس فيها وملامح العمارة بما فيها من أصالة وحداثة، والأسواق ذات الطابع الشرقي وصور المنمنمات العربية والإسلامية ودورها في الناحيتين التكوينية والتلوينية في لوحاته وغيرها من المؤثرات الحياتية والاجتماعية والثقافية.

كما عرض الكتاب المراحل التي مرّ بها مغاربة، ومنها وجوده في إيطاليا، موردا أقوال النقاد الغربيين في أعماله ومرحلة ما بعد عودته إلى حلب وتجربته في التصوير التجريدي، ثم عودته إلى المنمنمات وتمجيد الفنان للحياة والعمل واحتفائه بالمرأة في مناخاتها الشرقية ضمن علاقات محببة مع الطيور والأزهار والخيول.

كما قام المؤلف بدراسة بعض لوحات مغاربة دراسة نقدية تحليلية موضوعية، مظهرا جمالها ومكوّناتها كلوحات من وحي الأسطورة وقصر الحريم والأمل والشقيقتين وغيرها.

15