سوريا: تقاطع المصالح لإنشاء منطقة آمنة

السبت 2015/08/29

مرت أربعة أعوام لم تنجح خلالها تركيا في تنفيذ تهديداتها وأمنياتها في إنشاء “منطقة عازلة” شمال سوريا، إذ رفضت الولايات المتحدة الأميركية ودول حلف الناتو الاقتراح التركي بشكل قاطع. وكانت التسميات الخاصة بتلك المنطقة قد اتخذت مضامين سياسية بصورة خاصة، وذلك باعتبارها “منطقة حظر جوي” ما جعل طرحها مرتبطا أساسا بإسقاط النظام السوري وإنهاء الكارثة التي خلفها في سوريا أولا، وفي دول الجوار ثانيا.

أما اليوم، ومع تفاقم الكارثة الإنسانية في سوريا، يبدو أن تلك المنطقة لم تعد مجرد هلوسات تركية غير قابلة للتطبيق، بل باتت ممكنة بعد أن يجري تجريدها من المضامين السياسية ليصبح الهدف الجوهري لإنشائها هو أن تكون “منطقة آمنة” للاجئين السوريين الفارين من وحشية نظام الأسد وتنظيم داعش على حد سواء وذلك بسبب تضافر مجموعة من العوامل.

كان الدافع الرئيسي لتركيا من أجل إقامة تلك المنطقة هو التخلص من النظام السوري الذي رفض وساطاتها المتكررة منذ بداية الثورة السورية لتسوية سلمية تتحايل على الاحتجاجات الشعبية بإصلاحات واسعة. لكن عوامل جديدة تدفع تركيا اليوم لإقامة المنطقة الآمنة، وتتمثل في تنامي نفوذ الأكراد في شمال سوريا، وإظهارهم رغبة قوية في اقتطاع أراض سورية وضمها لما يدّعونه بمناطق الإدارة الذاتية. وقد أعلنوا، أخيرا، ضم بلدة تل أبيض السورية رغم أن غالبية سكانها هم من العرب السوريين. هكذا سوف تكبح المنطقة الآمنة تمدد الأكراد في شمال سوريا وهو ما يعتبر أولوية تركية في الوقت الحالي.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ليس الهدف إسقاط النظام السوري بكل تأكيد، بل تحقيق تقدم ملحوظ على تنظيم الدولة الإسلامية يصرف الأنظار بعض الشيء عن السجل المخزي للإدارة الأميركية في محاربة التنظيم بالشراكة مع الحكومة العراقية. أمام إدارة باراك أوباما فرصة ذهبية لاختيار أسهل معركة يمكن أن تحقق فيها نصرا بائنا على داعش. وليس النصر المرتقب في كل سوريا، أو في مدينة الرقة معقل التنظيم المتطرف، وإنما في منطقة محاذية لتركيا يعتبر تواجد التنظيم فيها هامشيا إلى حد كبير. إن تحقيق مثل ذلك النصر يعتبر أمرا حيويا للإدارة الأميركية خصوصا بعد الفضيحة الأخيرة التي كشفت عنها الصحف الأميركية والمتعلقة بقيام مسؤولين عسكريين أميركيين بتقديم تقارير “مغلوطة” عن تقدم العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وهي تقارير أعطت صورة متفائلة أكثر مما تم تحقيقه على أرض الواقع.

بالنسبة إلى دول الاتحاد الأوروبي، فقد باتت مهتمة أكثر من أي وقت مضى بإيجاد منطقة آمنة للاجئين السوريين لتفادي تدفق المزيد من اللاجئين إلى أراضيها. لقد واجهت أوروبا في العام الماضي أزمة خطيرة تمثلت في الحرب بين أوكرانيا وروسيا، وما استدعاه ذلك من فرض عقوبات اقتصادية وتوتر شديد في العلاقات هددت بعده روسيا بوقف صادرات الغاز إلى أوروبا. لكن القارة العجوز تواجه أزمتها الأخطر على الإطلاق هذا العام وهي أزمة تدفق مئات الآلاف، وربما الملايين من اللاجئين، من كل حدب وصوب ولكن بشكل خاص من سوريا. وبحسب منظمات دولية فقد وصل إلى أوروبا في العام 2014 نحو 75 ألف لاجئ، وبالمقابل استقبلت أوروبا نحو 150 ألف لاجئ خلال النصف الأول من العام الحالي. أما وزير الداخلية الألماني فيحذر من أن بلاده ستستقبل بحلول نهاية العام الجاري ثمانمئة ألف طالب لجوء.

تلك الوتيرة المتصاعدة بسرعة مخيفة في أعداد اللاجئين باتت ترعب الحكومات الأوروبية، ومن غير المتوقع أن تبقى مكتوفة الأيدي حيالها. إن إنهاء الحرب في سوريا أو إيجاد منطقة آمنة في شمال البلاد سوف يخفف كثيرا من أعداد طالبي اللجوء في أوروبا. ورغم أن أزمة اللاجئين مرتبطة بصراعات أخرى في العالم، خصوصا في أفغانستان وليبيا والعراق، تبقى سوريا هي المولد الأكبر للاجئين في العالم.

المفوض السامي لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة يعلن أن سوريا تحتل المرتبة الأولى في تعداد اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا هذا العام وبفارق شاسع عن أفغانستان التي تحتل المرتبة الثانية. ففي حين شكل السوريون نحو 34 بالمئة من مجموع اللاجئين الفارين إلى أوروبا، شكل اللاجئون الأفغان 12 بالمئة فقط.

وأخيرا، قد تقبل كل من روسيا وإيران بالمنطقة الآمنة كأمر واقع، مع اشتراطهما ألا تتحول إلى ملاذ آمن للمعارضة السورية المسلحة. وباعتبار أن الأخيرة هي من سينتزع المنطقة الآمنة من داعش بحسب المخطط الأميركي – التركي، فمن المتوقع ألا يسمح لها بشن هجمات من تلك المنطقة ضد قوات الأسد.

في حال كانت الرغبة الأميركية التركية جادة في تقليص نفوذ داعش في سوريا، فمن الأفضل أن تصبح تلك المنطقة ملاذا آمنا للحكومة السورية المؤقتة بعد إعادة هيكلتها وتصحيح مسار عملها. إذا بات واضحا أن تقديم الخدمات للسوريين في المناطق المحررة يشكل أهم العوامل لتقليص نفوذ داعش، وفي إحداث استقرار نسبي يخفف من وتيرة لجوء السوريين إلى خارج البلاد.

كاتب فلسطيني سوري

8