سوريا: تناقض ميادين القتال والتفاوض

الخميس 2013/08/15

يتشكل المشهد الميداني في سوريا على هواه، بطريقة فوضوية تتميز بسيولة جارفة، تؤسس لمعطيات رخوة ومتحركة ولا دائمة، طريقة لا يمكن الاستفادة منها أو البناء عليها من قبل الأطراف المتصارعة، كما لا يمكن توظيفها لصالح أي من الأطراف، وهو أمر تحولت في ظله الجغرافية إلى عبء ومصدر استنزاف دائم للطرف الذي يسيطر عليها، وخرجت من كونها ميزة «صراعية» لها أثرها وفاعليتها.

ثمة تطورات كثيرة في الواقع الميداني، أفرغت الجغرافية السورية من كونها عنصراً منتجاً لأي قيمة إضافية، وحوّلتها إلى مجرد ركام تتطلب المحافظة عليه شروطاً صعبة ليس بمقدور طرفي الصراع المنهكين توفيرها، لا في الظروف الحالية ولا في المستقبل المنظور:

- حالة الحصار الخانق التي تعانيها جميع المناطق السورية، سواء تلك التي تسيطر عليها قوات النظام، أو الخاضعة للثوار، وهي حالة غريبة تحصل في سوريا، إذ أن الطرفين في حالة محاصر (بكسر الصاد) ومحاصر( بفتح الصاد)، الأمر الذي نتج عنه تعطيل كل المزايا الإستراتيجية للمناطق التي في حوزة كل طرف، فالمناطق المحررة كلها تعاني من حالة حصار خانق وقطع مع باقي الجغرافية السورية، وكذا بالنسبة لمناطق النظام، حتى تلك التي تشكل معاقله الأساسية غرب سوريا، لا تعمل بكامل فعاليتها الجغرافية ويستلزم تشغيل جزء من تلك الفعالية واستمرار دوامه استنفارا دائماً واستنفاذ مجاهيد كبيرة.

يكفي للتدليل على ذلك الجهود الكبيرة التي يبذلها النظام و»حزب الله»، ومن ورائهما الدعم الروسي الإيراني الهائل للمحافظة على خط الساحل- حمص- دمشق، وهي لا يمكن ضمان استمرارها الدائم تحت وقع حالة الاستنزاف الكبيرة، كما لا يمكن ضمان فعاليتها دائماً بذات السوية.

- حالة تعطّل القدرة الإنتاجية الاستثمارية لتلك المناطق بسبب وضعية عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد منذ حوالي ثلاث سنوات، وهو الأمر الذي نتج عنه تعطل العناصر الاقتصادية، إن لم يكن بشكل نهائي، فعلى الأقل بالشكل الذي لا يفي حاجة تلك المناطق من متطلباتها الأساسية، ففي الوقت الذي يسيطر الثوار على سهول حوران الخصبة، تعجز هذه الأخيرة عن إطعام البشر الموجودين بها بسبب توقف الزراعة فيها، كما تتحول آبار النفط، في الشمال الشرقي، وبسبب عدم توفر طرق لنقلها وتصديرها، إلى عبء كبير على المعارضة وسبباً للخلاف والصراع بين بعضها بعضاً، في المقابل أيضاً تتعطل كل عناصر الاقتصاد التي يعتمد عليها النظام في تسيير شؤونه وتدبير أموره، من سياحة وجباية وضرائب، بل أنه يصبح ملزماً بتقديم الخدمات للمناطق التي يسيطر عليها لضمان استمرار ولائها له، وهو الأمر الذي ينتج عنه مراكمة العجز في ظل اقتصاد عسكري ينوء تحت حالة استنزاف آلته العسكرية المستمرة في حركتها.

حالة الدمار التي خلفتها الحرب المدمرة، والتي تتجاوز نسبتها وفق تقديرات كثيرة، أكثر من نصف عمران سوريا، وهي حالة، بلا شك، طاردة لأي إمكانية للحياة والاستقرار فيها، حاضراً وفي المستقبل المنظور، فضلاً عن كونها تشكل عبئاً لا طاقة للدولة السورية- التي ستخرج من ركامها- على تحمّله أياً يكون شكل حكامها وطبيعة توجهاتهم.

وفق هذه المشهدية الميدانية تتحرك سوريا المتصارعة على الأرض، ومن خلاصتها تنبلج صورة قاتمة تؤسس لواقع هو الأكثر حضوراً وإمكانية للتحقق، واقع يستهلك روايات وسرديات طرفي الصراع عن سوريا الممكنة والمحتملة، فأية احتمالية لبلاد تنشف ضروعها من الماء وتذوي عناصرها الاقتصادية، بدءاً من الكوادر البشرية، وليس انتهاء بخطر التقسيم والتفتت المدمر لكل ميزاتها الجغرافية والاقتصادية؟

في المقابل، يصارع الهامش الدبلوماسي، المتاح إقليمياً ودولياً، لإنتاج شكل لسوريا، يكون قابلاً لتوظيفه في صراع المصالح الدولي، نمط يحمل في طياته مراعاة كبيرة لواقع جيو-إستراتيجي، متخيل، يرتكز على حيثيات جغرافية ذات طبيعة مؤثرة وفاعلة في عملية السيطرة وإعادة توزيع مناطق النفوذ في المنطقة دون أي اعتبار لأثر كل ذلك على مسار عملية التشكل الداخلية السورية والاحتمالات العديدة المفتوحة عليها عملية التشكل هذه.

في سبيل ذلك، ونظراً للتقديرات المختلفة لطبيعة الفرص المحتملة في مدركات كل طرف دولي وتصوراته، ونظراً للواقع المعقد الذي بات كل طرف يجد نفسه فيه، يتجه المجال الدبلوماسي صوب إستراتيجية جديدة للتعامل مع الحالة السورية يعتمد نمط فتح الثغرات الصغيرة في جدار الأزمة، وهو ما كشفت عنه بعض المبادرات التي جرى الكشف عنها مؤخراً، مثل الاتفاق على تمرير المساعدات الإنسانية لبعض المناطق المحاصرة، أو محاولة البحث عن صيغة وسط في موضوعة استخدام السلاح الكيمياوي، والتي من المقدر أن تنتهي إلى تحميل الطرفين مسؤولية الواقعة، ويدخل في هذا الإطار أيضاً عقد مؤتمر جينيف مصغرا وتجريبياً في فترة انعقاد الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل في نيويورك.

الهدف من وراء هذا السلوك الدبلوماسي واضح، وهو مراكمة نقاط الاتفاق بين الأطراف الدولية والإقليمية ذات العلاقة بالشأن السوري، وبالتالي الوصول إلى مبادئ أساسية يمكن الانطلاق منها لتأسيس توافق ما، من هنا يأتي ميل الدول الغربية إلى محاولة التقارب مع الموقف الروسي عبر تراجعها عن تسليح المعارضة، وفي السياق ذاته تأتي تصريحات رئيس هيئة الأركان الأميركية مارتن ديمبسي بأن التدخل العسكري «من شأنه أن يحول سوريا إلى بلد فاشل».

غير أن هذا البناء الدبلوماسي المراد تأسيسه، قد لا يصار إلى إنجازه بالشكل الذي قد يساعد على حل الأزمة السورية، كما أنه معرض للانهيار في أي لحظة نتيجة اختلاف رؤى الأطراف المختلفة في للحل النهائي، فيما الوقائع الميدانية تذهب باتجاه تشكيل حالة قد تتحول مع الزمن إلى واقع صلب لا يمكن لأي جهد دبلوماسي تعديله أو التأثير به، خاصة إذا ما زاوجنا هذا الواقع بالواقع السيكولوجي المنبثق للسوريين.

8