سوريا حين تقطع طريق الحرير

السبت 2015/09/12

أوغلت إيران وروسيا في حماية النظام السوري حتى النخاع، وأرسلتا، مجتمعتين أو منفردتين، سلاحا وخبراء عسكريين وأموالا بلا حدود للنظام السوري كي لا ينهار، ثم أتبعتها إيران بإرسال ميليشيات طائفية من كل حدب وصوب، أحرقت الأخضر واليابس ومزّقت المجتمع السوري وأذاقته المر، في ما دافعت عنه روسيا في المجتمع الدولي وكأنه جزء منها، ومنعت أيّ حل يمكن أن يهدد وجوده، سوريا كان أم عربيا أم دوليا، ولم تكتف بذلك بل بدأت مؤخرا ترسل له أسلحة أكثر تطورا قادرة على قتل عدد أكبر من السوريين، وجنودا وضباطا من الجيش الأحمر ليدافعوا عن هذا النظام الذي لم يعد مرغوبا من أحد سوى هاتين الدولتين.

مع دخول أول خبير من الحرس الثوري الإيراني لسوريا، وأول دفعة من مقاتلي حزب الله اللبناني ومقاتلي ميليشيات عراقية ويمنية وأفغانية، أصبحت إيران في نظر الملايين من السوريين “دولة احتلال” وحلفوا أيمانا بألا يكون لها موطئ قدم في سوريا بالمستقبل، ولا حتى علاقة مصالح اقتصادية أو سياسية، وبعد إرسال رجال الجيش الأحمر إلى مسقط رأس النظام، أصبحت روسيا “دولة احتلال” أيضا، وليس مستبعدا أن يبدأوا باستهداف أحفـاد قيصر كأهـداف مشروعـة.

بحث السوريون كثيرا عن المصالح الروسية التي يخدمها هذا الموقف، فلم يجدوا ما يكفي من المصالح التي تدعو لتبرير التورط بهذه السياسة التي سماها السوريون “سياسة عمياء متحيّزة”، فلا يبررها وجود القاعدة العسكرية البحرية الروسية (المتواضعة) في طرطوس، ولا مشتريات الأسلحة الروسية الصغيرة بالمقارنة مع مشتريات دول أخرى غير سوريا، خاصة أن روسيا استغنت عن جزء كبير من ديونها لسوريا قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، ولم يجد السوريون إلا مبررا واحدا، وهو رغبة روسيا باستعادة دورها كقطب (أعظم) عبر سوريا، ومازال السوريون مدهوشين حتى الآن من هذه السياسة التي أفقدت روسيا صداقة الشعب السوري بدون ثمن كاف.

كذلك بحث السوريون عن أسباب “استشراس” إيران عليهم، فلا العلاقة تاريخية بين البلدين، ولا هي متينة اقتصاديا قبل استـلام الأسـد الابن السلطـة، وحتى أنه ليس هناك توافق وانسجام بين شعبي البلدين في التاريخ الحديث، ولم يجد السوريون إلا مبررا واحدا وهو رغبة إيران في بسط سيطرتها على هلال شيعي تقع سوريا في منتصفه، ويشمل العراق ولبنان، لأهداف ترتبط برغبة إيران في أن تكون دولة مؤثرة ذات قرار في المنطقة، فضلا عن أسباب طائفية دينية.

حقيقة الأمر، هذه الأسباب وحدها فقط لا تُبرر هذا الاندفاع الإيراني أو الروسي للدفاع عن النظام السوري، وأن تدفع إيران وروسيا أموالا طائلة وتُرسلان أسلحة هائلة وتقفان بوجه المجتمع الدولي من هدف غير مضمون النتائج، بالإضافة إلى أن المعارضـة السوريـة وعـدت كلا الطرفيـن بأن تحفظ لهما مصالحهما وتقيم معهما علاقات متوازنة تضمن لهما أن تكون سوريا حليفا شرق أوسطي لهما، وأن لا تجازف لا بالتضييق على مصالح هاتين الدولتين ولا تتراجع العلاقات معهما.

بهذا المجال، لا بد من استذكار العامل الاقتصادي، والربح على حساب دماء الشعوب، وهذا العامل قد يُقدّم نظرية مقنعة لأسباب تورّط روسيا وإيران بهذا الشكل اللاإنساني والمطلق في سوريا، وتحمّلهما كل الخسائر العسكرية والاستثمار المالي بالأزمة السورية، وخسارتهما لسمعتهما الحالية والمستقبلية، وفقدانهما احترام الشعوب العربية وكثير من شعوب الإقليم.

من هذا المنظور يمكن العودة عدة قرون إلى الوراء، واستحضار طريق الحرير، الذي كان يعبر من شرق آسيا إلى غرب أوروبا عبر دول المتوسط، وهو تاريخيا مجموعة من الطرق المترابطة كانت تسلكها القوافل والسفن التي تنقل التجارة الصينية، لاسيما الحرير، إلى قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، وعُرف هذا الطريق قبل ثلاثة آلاف عام واستمر حيّا حتى القرن الخامس عشر.

لعب طريق الحرير دورا كبيرا في تنمية الحركة التجارية بين قارتين، ولم يكن قط مجرد قوافل جمال وأماكن استراحة وتجار توابل يذهبون من الهند والصين إلى أوروبا ليعودوا بمنتجات غريبة عليهم، بل هو مشروع لحمل ثروات طائلة من قارة إلى أخرى، مشروع اختصر الزمان وطوّر بلدانا ودثر بلدانا أخرى، وكان حلقة وصل تجارية استثنائية غاية في الأهمية عبر التاريخ بين آسيا وأوروبا، ولا تُخفي روسيا وإيران طموحهما وسعيهما لإحياء طريق معاصر شبيه بطريق الحرير من جديد والسيطرة عليه، لأنه سيُدخلهما العولمة من أوسع أبوابها، عبر سيطرتهما على طريق حيوي بين قارات العالم، فهو معبر أساسي لأنابيب الغاز والنفط الدولية، وممر لنحو نصف تجارة وصناعة وتعدين قارتي أوروبا وآسيا، ومن المتوقع أن يدر على كل واحدة منهما عشرات المليارات من الدولارات سنويا وفق تقديرات اقتصادية دولية، ولفترة زمنية لا محدودة، وهو ما سيوفر لهما دخلا ماليا طويل الأمد يفوق دخل النفط، وما يتبعه من نفوذ استراتيجي وجيو ـ اقتصادي، ممر أوراسي يصل المحيط بالمحيط، وهو ما يُغري إيران وروسيا، ويدفعهما للعب لعبة شرسة للسيطرة عليه، ويُفسّر، مع غيره من الأسباب، بعضا من الموقف الروسي والإيراني، وربما الصيني أيضا، من أزمة سوريا وما حولها، فمن يمتلك هذا الطريق يمتلك هذا الجزء من العالم، وسوريا هي ذلك البلد الصغير الذي يقطع هذا الطريق عليهما.

طريق الحرير الذي كان في يوم من الأيام مصدر نشاط اقتصادي وتطور لشعوب الدول التي يمر بها، ولعب دورا في تلاقي الثقافات والشعوب وتيسير المبادلات بينها، يلعب الآن دورا مُدمّرا لهذه الشعوب، وقد دمّر ما دمّر في أفغانستان والعراق وسوريا، وربما سيدمر في طريقه دولا أخرى.

كاتب سوري

7