سوريا خطأ استراتيجي عالمي

الخميس 2013/11/14

تتحول سوريا، وبشكل منتظم ومتواتر، إلى ثقب أسود إستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، بل أنها أيضاً تجر المنطقة برمتها إلى نمط من الفوضى والخراب، في ظل بروز ملامح لاستراتيجية دولية تميل إلى تهميش المنطقة والابتعاد عن مشاكلها وأزماتها بذريعة استنفاذ الجهد والمال اللازم لاستدامة الانخراط الإيجابي في هذه المنطقة.

ولا يبدو أن العملية السياسية المسماة جينيف2 مؤهلة لتغيير هذا الواقع، فهي ليست أكثر من بداية مسار، حسب توصيف الوسيط الأخضر الإبراهيمي، ولا يستطيع أحد ضمان استمرار هذا المسار كما لا يمكن التنبؤ بمعرفة النتائج التي ستتمخض عنها، وخاصة في ظل شكوك الأطراف المختلفة وعدم إيمانها بجدوى الحلول السلمية.

بعد عامان من التدمير والإنهاك المتواصل بحجة قمع الثورة، تشكل واقع جديد في سوريا فرضته بعض التحولات الدولية وحالة الاشتباك الإقليمي المزمنة، إذ استطاع نظام الأسد وحلفاؤه الإقليميين والدوليين تشكيل سوريا جديدة ذات صفات إستراتيجية وديمغرافية نافرة ومتنافرة بذات الوقت. نمط من بلاد مركبة المشاكل والأزمات، فبالإضافة إلى واقع التدمير المحبط والمرير، وبالإضافة إلى عملية التهجير القسري والعبث بالتركيبة الديمغرافية لكامل الأراضي السورية، ثم إعادة تشكيلها بطريقة فوضوية، تبرز حالة الانفصال الجغرافي والسياسي والاجتماعي التي باتت تعيشها البلاد، فبين سوريا شمالية تغرق بفوضى الجهاديين، وسوريا شرقية ذات طابع كردي، ثمة سوريات أخرى في الوسط يتم إخضاعها بحقد طائفي، وسوريا دمشق حيث يصب النظام جام غضبه عليها ويعبث بتركيبتها صبح مساء، وسوريا الجنوب التي تعيش فوضى الهوية والانتماء على وقع الحصار الخانق الذي تعيشه.

لم يعد خافياً على أحد المسار الذي أوصل الأمور إلى هذه الحالة، فقد تميز بسياسة الاستهتار وعدم الاهتمام الدولي، وتناقض السياسات الإقليمية، ولم يستجدّ في المشهد ما يوحي بوجود تطور معين في مواقف هذه الدول، اللهم باستثناء عملية نزع الكيماوي وما نتج على هامشها من محاولات لتغيير بعض الوقائع الميدانية، وخاصة من طرف النظام حيث يعمل الحليفان الروسي والإيراني على تعزيز المعطى لصالح النظام، في الوقت الذي يتراجع الرئيس الأميركي عن وعوده بتغيير موازين القوى لصالح المعارضة كمقدمة لعزل الأسد وإضعافه.

بدل من ذلك، فقد تكشّف أن إدارة أوباما بصدد إحداث تغيير كامل في مقاربتها للأزمة السورية، يقوم على أساس تحويل هذه الأزمة إلى فرصة للقضاء على أعداء واشنطن وإنهاكهم في المستنقع السوري، حسب تصريحات نسبتها صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً لرئيس موظفي البيت الأبيض دينيس مكدانو. ويأتي ذلك في إطار التحولات الإستراتيجية الأميركية، ومقاربة أميركا لطبيعة اشتباكها مع المجتمع الدولي، حيث يظهر أن السياسة الأميركية تعتمد بدرجة كبيرة على النهج التآمري وهو ما كشفته فضائح التجسس على الاتصالات الذي قامت به واشنطن على أغلب دول العالم، وفي هذا الإطار يظهر التراجع التكتيكي الأميركي في بعض المناطق ومنها الشرق الأوسط، وبالتالي الإيحاء لبعض خصومها التقليديين، مثل روسيا وإيران بوجود فراغ وفرصة لملئه كنوع من التوريـط لهذه الأطراف في حرب استنفـاذ الجهود للتخلص من الخصـوم دون خوض المـواجهات معهم.

وإذ تندفع روسيا وإيران ومعهما حزب الله وكتائب أبي الفضل العباس العراقية إلى الأتون السوري، تتحول الأرض السورية إلى مستقطباً لمختلف أنواع الجهاديين، فيما يبدو أنه ردة فعل على إجرام النظام وحلفاءه بحق الشعب السوري، وإذ يبدو أن المعركة وكأنها تبدأ من جديد، فإنها تنذر بتحويل المنطقة كلها إلى هشيم على تخوم سوريا، بعد أن تم تحويل هذه الأخيرة إلى ثقب أسود يجذب إليه كل الطاقات والقوى في المنطقة في حرب لا يبدو ثمة نهاية تلوح في الأفق لها. يترافق ذلك مع مؤشرات كثيرة عن دخول العالم في أتون أزمات اقتصادية خطيرة تطال معظم مراكز القوى، وإن بنسب متفاوتة، ولا يخرج عن هذه الوضعية حتى دول الإنتاج التي سجلت في سنوات سابقة معدلات إنتاج مرتفعة، ذلك أن حالة الركود بدأت تؤثر فيها بشكل واضح، كما أن ارتباطها بالاقتصاد الأميركي إنتاجاً وتسويقاً جعلها تتأثر بمخرجاته الهابطة، وهو أمر مرشح للاستمرار لسنوات طويلة، مما يعني انكفاء مراكز القوى المؤثرة عن السياسات السابقة، وتركها للعالم يتشكل على أساس مبدأ الفوضى الخلاقة.

سوريا ثقب إستراتيجي أسود، لن يطول الوقت قبل أن يبتلع محيطه، كما لن يطول الأمر قبل أن تتحول إلى أزمة عالمية مستفحلة، كل السياسات التي تتبعها القوى الإقليمية والدولية لا تعدو كونها عوامل مساعدة على اتساع الثقب، هذه اللحظات الانتهازية المترددة تشبه اللحظة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، حينها وقف العالم يتفرج على أزمة راحت تكبر حتى ابتلعت جيلا آدميا بحاله، ولم يسلم منها أحد من آسيا شرقاً إلى أميركا غرباً، وأوروبا بينهما.


كاتب سوري

8