سوريا: خمسة يتقاسمونها

الأربعاء 2014/11/12

لم يخطر ببال النظام السوري منذ بداية الانتفاضة، ولو للحظة، أن يستجيب لإرادة شعبه المطالب بالكرامة وبالحرية وببعض الحقوق، بل استخدم فوراً العنف بلا مسؤولية، وكان يزيد من حدة عنفه كل يوم، إلى أن أرغم الانتفاضة للتحول إلى ثورة ومن ثم إلى حرب شاملة، وقاده الحقد على الثورة وأصحابها إلى مآزق عديدة، كبُرت واستفحلت وأفقدته السيطرة على سوريا، بل أدّت لكوارث هائلة.

عنف النظام ولّد معارضة مسلحة، لكنها سارت على غير هدى، كما المعارضة السياسيـة، التي خرجـت للتو مـن قمقـم القمع الذي حكم سوريا لخمسة عقود، بحثت هذه المعارضة عمن يدعمها بالتمويل والسلاح والموقف السياسي، وارتهنت لشروطه، ولم تنجح في الاندماج وافتقدت للمركزية التنظيمية، وعملت ككتائب محلّية مناطقية، فسيطرت على مناطق متفرقة من سوريا أقرب لجُزر صغيرة، أو كبيرة، منفصلة.

لعبت إيران دوراً سلبياً كبيراً في سوريا، وأرسلت أفواجاً من ميليشيات شيعية طائفية منها ومن دول أخرى لتُقاتل إلى جانب النظام أو لتدرب ميليشياته، بحجة الدفاع عن محور الممانعة وعن المقدسات الدينية، وفي العمق كانت لها أهداف مختلفة، فعملت في الواقع على السيطرة في حقيقة الأمر على مناطق لها أهمية استراتيجية داخل سوريا، ومن أهمها دمشق.

ممارسات ومجازر النظام السوري ضد الحاضنة الشعبية (الغالبية) السنّية، وتدخّل إيران، وفتح النظام الحدود أمام الجهاد الدولي بهدف وصف الثورة بالإرهابية، أدى إلى تدفق الجهاديين- بما في ذلك عناصر تنظيم القاعدة- من كل أصقاع الأرض، وسيطروا باندفاعيتهم الدموية على أجزاء عديدة من سوريا، وأقاموا دولة قالوا إنها إسلامية.

على التوازي، كان بعض أكراد سوريا يعملون بهدوء وصمت من تحت ستار لتحقيق حلمهم الانفصالي، أو على الأقل حلم الفيدرالية، ولضمان ذلك تعامل بعضهم مع النظام ومع المعارضة حتى اشتد عودهم، وشكّلوا قوات عسكرية كردية، فسيطروا من خلالها على مناطق من سوريا، وأعلنوا إدارة ذاتية وحكومة وعن تأسيس برلمان عما قريب.

الآن، وبعد أكثر من 44 شهراً على اندلاع الثورة في سوريا، تتقاسم هذه القوى الخمس مناطق النفوذ في سوريا. الأولى تحت سيطرة نظام بشار الأسد، والثانية تحت سيطرة إيران وميليشياتها، والثالثة تحت سيطرة كتائب المعارضة الثورية بأنواعها، والرابعة تهيمن عليها الجماعات الجهادية وتنظيم القاعدة، والخامسة تحت سيطرة الأكراد.

لم يعد النظام السوري يسيطر على أكثر من ثلث مساحة سوريا، ويركز قوته على حماية العاصمة باعتبارها رمزاً لبقائه، كما يركز على حماية المحافظات الساحلية المؤيدة له، وفي واقع الأمر لم يعد يملك القوة العسكرية المقاتلة، ولا التسليح الكافي ليضمن بقاءه في كل مكان.

جذب النظامان السوري والإيراني المقاتلين الشيعة من كل أنحاء العالم، وتجاوب عشرات آلاف العناصر والمتطوعين مع الحشد الطائفي (الميليشيات اللبنانية والعراقية)، أو مع الإغراءات المادية (الميليشيات الآسيوية).

ومارست هذه الميليشيات انتهاكات ترقى لجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في المناطق التي تسيطر عليها، ووثّقت مراصد حقوقية سورية معارضة وجود أكثر من 39 ميليشيا أجنبية تُقاتل إلى جانب النظام، وتسيطر على مناطق محددة لها أهمية استراتيجية، ولا سلطة للنظام السوري عليها وعلى قرارها العسكري، إنما يقتصر دوره على تأمين الغطاء الجوي والمدفعي لها، فيما تركّز الحرس الثوري الإيراني في العاصمـة- تحـت حجاب- ليحميها، وبالمجمل تسيطر إيران وميليشياتها على ما لا يزيد عن 10 بالمئة من الأرض، لكنه جزء حيوي واستراتيجي.

أما المعارضة المسلحة فيُقدّر عدد عناصرها بنحو مئتي ألف، نصفهم تقريباً من المنشقين عن الجيش، منهم من يتبع الجيش السوري الحر، ومنهم “إسلاميون معتدلون”، ومنهم سلفيون لا يمانعون من التنسيق مع الجيش الحر ومع الجهاديين.

ويوجد على أقل تقدير 1100 كتيبة مختلفة الأحجام والانتماءات، تسيطر على نحو 20 بالمئة من سوريا، وكان يمكن لها أن تتمدد أكثر لولا أنها اصطدمت بتنظيم الدولة الإسلامية الذي حاربها ونسي النظام.

بالنسبة إلى القاعدة وأخواتها (تنظيم الدولة الإسلامية، وجبهة النصرة)، فيسيطر تنظيم الدولة على شرق سوريا وجزء كبير من شمالها، بمنطقة تُقدّر بنحو ثلث مساحة البلاد، لكنه لا يحظى بقاعدة شعبية، ولا ببيئة حاضنة نتيجة سياساته.

أما جبهة النصرة فهي، تقريباً، لا تسيطر على شيء بمفردها، وتعتمد على تعاونها الوثيق مع القوى الأخرى، وتحاول الاندماج مع المجتمع المحلي، وتتمتّع ببراغماتية واضحة مقارنة بتنظيم الدولة الإسلامية.

أما حصة الأكـراد، فهي ميليشيات مسلّحة يديرها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا حزباً إرهابياً، وهم يسيطرون على مناطق ذات غالبية كردية في شمال سوريا، رفضوا التعاون مع الجيش الحر وأقاموا إدارة ذاتية كردية وحكومة، يدعمهم الآن مقاتلون أكراد من العراق، ورغم اقتراب تنظيم الدولة الإسلامية من السيطرة على مناطقهم، إلا أن هذا لم يغيّر موقفهم الرافض للتعاون مع الكتائب الأخرى، وهم مستمرون في التأكيد على الهوية الكردية لمناطقهم، وضرورة حمايتها عسكرياً بأيد كردية حتى لو كانت غير سورية.

وفي هذه المعمعة العسكرية، يتقاسم الجميع السيطرة على المعابر الحدودية السورية مع العالم الخارجي، ويسيطر النظام على خمسة، بينما تسيطر المعارضة على أربعة، وتنظيم الدولة الإسلامية على أربعة، والأكراد على ثلاثة.

بالخلاصة، من الصعب رسم خريطة واضحة المعالم لتوزع كل هذه القوى المقاتلة في سوريا، فهي متداخلة في الكثير من المناطق، وأحياناً يفصل بينها حي واحد، وهي خارطة متغيرة كل يوم، إلا أن الثابت فيها أن سوريا باتت تحت سيطرة خمس قوى رئيسية على الأقل، لكل واحدة أيديولوجيتها ووسائلها وأهدافها المختلفة، وهذا ما سيؤدي بالأزمة السورية- في الغالب- إلى المزيد من التعقيد والتشابك وغموض المصير ما لم تتم تقوية طرف ليهيمن على الأطراف الأخرى، ويطرد من لا علاقة له بسوريا خارجها.


إعلامي سوري

9