سوريا: رؤيتان لإعادة الاعمار

المنظور الغربي إلى إعادة الإعمار يتجاهل جوهر النظام السوري القائم على سياسة القمع والإقصاء للغالبية العظمى من السوريين، مقابل تحشيد وتسمين نخبة تدعمه.
السبت 2018/10/13
إعادة إعمار سوريا يرتبط ببناء أسس استقرار اجتماعي واقتصادي وسياسي

حسم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مسألة مشاركة بلاده في عمليات إعادة الإعمار بسوريا حيث أكد أن نظام بشار الأسد “لن يحصل على دولار واحد” من الولايات المتحدة إذا لم يضمن الانسحاب الكامل للقوات الإيرانية والميليشيات المدعومة منها من سوريا.

كما كان بومبيو من قبل قد ربط بين المساهمة في تمويل مشاريع إعادة الإعمار وبدء عملية سياسية ذات مصداقية في جنيف تؤدي إلى مشاركة المعارضة وإلى انتخابات رئاسية.

هكذا تضيف الولايات المتحدة الأميركية مسألة إعادة الإعمار، إلى جانب مسألة انسحابها العسكري من شمال شرق سوريا، كورقة ضغط جديدة لتغيير الوقائع السياسية والعسكرية في سوريا من دون قتال.

كما يأتي حديث وزير الخارجية الأميركية ذلك كرد مباشر على دعوة روسيا المجتمع الدولي إلى وضع خطة سريعة وفعالة لتمويل إعادة الإعمار بعد أن أعلنت انتهاء الحرب بانتصارها مع حلفائها. ولكن المجتمع الدولي يبدو متمسكا حتى الآن بالمعايير الدولية المعمول بها في ما يتعلق بسياسات إعادة الإعمار حول العالم. ضمن تلك المعايير، تتدفق أموال إعادة الإعمار بعد انتهاء النزاع وهو ما لم يتحقق في سوريا بعد.

قد يصلح المنظور الغربي لإعادة الإعمار في حروب أهلية ونزاعات تنتهي بإضعاف كافة الأطراف وعلى رأسها النظام الحاكم أو الطرف الأقوى في معادلة الصراع

ثانيا، يعتبر الهدف من إعادة الإعمار أوسع من مجرد بناء وترميم وإصلاح ما دمرته الحرب، إذ يرتبط ببناء أسس استقرار اجتماعي واقتصادي وسياسي يمنع اندلاع الصراع مجددا. لذا، عادة ما ترتبط إعادة الإعمار بقبول النظام الخارج للتو من الحرب بإجراء تغييرات واسعة على الهياكل السياسية والاقتصادية التي كانت قائمة قبل الحرب، أو تلك التي برزت كنتيجة للحرب.

ولكن روسيا لا تنظر إلى النظام السوري ومؤسساته وآليات حكمه الإقصائية على المستويين السياسي والاقتصادي بأنها مسؤولة عن اندلاع الاحتجاج الشعبي الواسع ضده في العام 2011، وتحوله لاحقا إلى حرب. تعتبر موسكو أن الدعم الغربي للحراك الشعبي ضد النظام السوري في العام 2011، والدعم الإقليمي للجماعات المسلحة التي قاتلت النظام لاحقا هو ما أدى إلى انحدار البلاد نحو الحرب، وبالتالي إلى تدمير آليات الحكم القديمة التي كانت ضامنا رئيسيا للاستقرار.

وعلى هذا الأساس فإن تجديد تلك الآليات وإعادة إنتاجها بمساعدة من المجتمع الدولي من خلال عمليات إعادة الإعمار، هو ما يعيد إنتاج الاستقرار السياسي المنشود.

ينظر النظام السوري بدوره إلى عملية إعادة الإعمار الممولة دوليا على أنها فرصة لتجديد وتوسيع ائتلافه الحاكم بما يعيد إنتاج سلطته ويضمن الاستقرار على المدى المنظور. سيساعد تدفق الأموال على بناء تحالف من القوى الرئيسية في المجتمع والاقتصاد.

لا يشارك هذا التحالف في الحكم وفي اتخاذ القرارات الرئيسية التي تخص مستقبل الدولة وتوجهاتها الاقتصادية والسياسية، ولكنه يشارك في جني ثمار وفرص اقتصادية تتهافت عليه عبر شبكة من الزبائنية والفساد تُعتبرُ الأنظمة الدكتاتورية بصورة عامة، والنظام السوري بشكل خاص، ضليعة في إنشائها.

يأمل النظام في أن تساعد عمليات إعادة الإعمار على عودة عجلة الاقتصاد إلى الدوران وعلى توسيع السوق السورية عبر تأهيل مئات المدن والبلدات المدمرة وعودة سكانها إليها، بما يؤدي إلى زيادة الموارد التي تجنيها الدولة وبالتالي ارتفاع العائدات التي تعود على شبكة الزبائنية والفساد.

الولايات المتحدة الأميركية تضيف مسألة إعادة الإعمار، إلى جانب مسألة انسحابها العسكري من شمال شرق سوريا، كورقة ضغط جديدة لتغيير الوقائع السياسية والعسكرية في سوريا من دون قتال

بهذا المعنى، هنالك رؤيتان متعارضتان لإعادة الإعمار رغم تشابه المفهوم. رؤية غربية تعتبر أن إعادة الإعمار مقدمة وشرط في آن واحد لإعادة بناء ليس فقط الاقتصاد والعمران، بل النظام السياسي نفسه بما يجعله أكثر تشاركية واستقرارا. ورؤية النظام السوري وحليفيه الروسي والإيراني والتي لا ترى في إعادة الإعمار سوى فرصة لإعادة إنتاج نظام سياسي واقتصادي إقصائي عبر توسيع شبكة الفساد والزبائنية، والتي شكلت أحد أسباب اندلاع الثورة وما تلاها من موت ودمار وتهجير.

انطلاقا من هذا التباعد والتفارق بين المفهومين لإعادة الإعمار في سوريا، يمكن إدراك حجم السذاجة التي تعتري التفكير الغربي باستخدام أموال إعادة الإعمار كوسيلة للضغط على النظام السوري للوصول إلى نظام أكثر ديمقراطية وتشاركية.

قد يصلح المنظور الغربي لإعادة الإعمار في حروب أهلية ونزاعات تنتهي بإضعاف كافة الأطراف وعلى رأسها النظام الحاكم أو الطرف الأقوى في معادلة الصراع، حيث يخرج منهكا ومهددا بمجموعة من القوى من الداخل والخارج بصورة تدفعه للقبول بشروط إعادة الإعمار.

لكن حالة النظام السوري، إذا أخذنا بعين الاعتبار تواصل دعم حليفتيه إيران وروسيا، مختلفة تماما. إذ لا يزال نظاما مركزيا متماسكا والأهم أنه غير معرض لأي تهديد وجودي بعد هزيمة المعارضة العسكرية وانقطاع قنوات الدعم عنها.

كما يتجاهل هذا المنظور الغربي إلى إعادة الإعمار جوهر النظام السوري القائم على سياسة القمع والإقصاء للغالبية العظمى من السوريين، مقابل تحشيد وتسمين نخبة اجتماعية وأمنية واقتصادية تدعمه وتؤمن الاستقرار الداخلي. الحقيقة أنه محكوم بهذه العلاقة إلى درجة لا يمكن تغييرها إلا بتغيير النظام نفسه.

8