سوريا شرقية غربية

السبت 2013/10/26

تتجه مؤشرات الأزمة السورية بأغلبها صوب خيار التقسيم، ولا يعدو كل ما يجري في الحقل السياسي والميدان العسكري سوى اشتغال على إنضاج الظروف الموضوعية لإجازة هذا الخيار وتبريره، والمتتبع لسياق إستراتيجية بشار الأسد لهذا الخيار سيلحظ حكماً التكتيكات المتبعة لتحريك الظرف الموضوعي.

سوريا الشرقية، ليس المقصود تعييناً جغرافياً بالمعنى الحرفي، رغم انطباق المصطلح على واقع تضاريسي جيولوجي يترامى على مساحة تمتد شرق الأتوستراد الدولي من حدود الأردن جنوباً إلى حدود تركيا شمالاً.

شرق سوريا، بالمعنى الطبيعي، منطقة توازي غرب سوريا، ولكن بتوسعة فرضتها أهداف سياسية ووقائع ديمغرافية، تطلب معها انضواء بعض الجنوب وبعض الشمال، كجناحين جغرافيين يحميان الجسد السوري الجديد الذي يتموضع على مساحة تمتد من دمشق إلى اللاذقية، لكنه أيضا يؤمن للقلب نقاط تماس، وتشابك، مع الحدود الدولية لإسرائيل والأردن والعراق وتركيا، فضلا عن لبنان.

المقصود هنا، تسليط الضوء على واقع يرتسم في الفضاء السوري، وتجري عمليات هندسته وترتيبه بعناية فائقة، وعبر مخطط جهنمي، ففي حين تتحدث السيناريوهات الكلاسيكية عن ملامح تشكل ثلاث كيانات سورية: كردية وعلوية وسنية، يسعى النظام إلى عكس هذه المعادلة عبر صياغة جديدة للجغرافية السورية، تنسف إمكانية إقرار هذه الكيانات، لكنها في نفس الوقت تمنحه إعادة تموضعه كجهة حاكمة ومسيطرة على الحيز السوري، جغرافياً وديمغرافياً.

في سبيل تحقيق هذه الرؤية، أجرى النظام سلسلة من الإجراءات المساعدة، بدءا من تعريض المناطق التي تقع في الإطار الجغرافي للشرق السوري، حسب خط الفصل المعمول به، الأوتستراد الدولي، إلى ضغط عسكري مكثف كان من نتيجته تدمير البنى التحتية وكل ممكنات العيش والحياة الآدمية، نتج عنه حصول سيولة جغرافية بين تلك المناطق والحدود الدولية المتاخمة لها وبالاتجاهين، وهو الأمر الذي نتجت عنه فوضى شاملة على جميع الصعد، وحوّل تلك المناطق إلى بيئة جاذبة للأعمال الخارجة عن القانون.

إضافة إلى ذلك، تعمّد النظام تدمير الهياكل الإدارية في هذه المناطق بكافة مستوياتها (الإدارية والخدمية)، من خلال قطع صلات تلك الهياكل مع المراكز وتوقيف التمويل اللازم لتشغيلها واستدامتها، وهو ما نتج عنه انعدام أي إدارة مدنية لتلك المناطق، ورفع منسوب إشكاليتها تالياً عبر إضافة إشكالية فقدان التعليم والصحة والكهرباء والماء.

ولعل الأخطر من كل ذلك، أن النظام سعى إلى تدمير إمكانية نشوء بديل سياسي له في تلك المناطق، قد يشكل رافعة اجتماعية للنهوض بالواقع المتردي وتحسين شروطه وإمكانية ضبط وإدارة الصراعات الناشبة، وذلك من خلال تصفية واعتقال وتهجير أغلب الكوادر المدنية المتعلمة والمنفتحة. لكن ترسيم سوريا الشرقية، يلزمه اكتمال تشكل نظيرتها الغربية، وما يعيق هذا التشكل حتى اللحظة، من الناحية الجغرافية، وجود مقاومة للنظام في منطقة القلمون والغوطتين المحيطتين بدمشق، ولذا تتركز جهود النظام، وحليفه حزب الله، على تكثيف الجهود العسكرية في هذه المناطق ليصار بعدها إلى تسوير» تسييج» سوريا الغربية وتقديمها للعالم في إطار جديد وشرعية ينتظر الحصول عليها بحكم الأمر الواقع.

ما يتبقى من سوريا، هو شرقها، لكن الإشكالية في هذه المنطقة أنها ستكون طاردة لإمكانية نشوء كيان سياسي قابل للحياة، فعدا عن كونها تفتقد للتواصل الأرضي، لانعدام طرق المواصلات فيها، ولاختراقها من قبل النظام في ريف حمص الشرقي، فهي تنطوي على مكونات اجتماعية ذات طبيعة بدوية أو زراعية، أو على الأقل في الغالبية الديمغرافية المشكلة لها، كما أنها تنطوي على مكونات سياسية من طبيعة متنافرة تشكل المكونات الدينية المتطرفة فيها الغالبية العظمى. مقابل ذلك، ثمة سوريا غربية، تتوافر على نظام سياسي، وتتشكل من أغلب المكونات السورية، وتلتزم بالمعاهدات والمواثيق، أما شرعيتها فتلك ستؤمنها وظائفها تجاه الحد الشرقي، وعلى الضفة الأخرى سيكون هناك شتات وفوضى وضياع، لن يكون بمقدور الفرات إرواء ظمأه ولا يستطيع الرميلان تأمين الدفء له. سوريا الشرقية خراب جغرافي وظيفته «شرعنة» وجود سوريا الغربية.

للأسف هذا المخطط يأتي بناءه في ظل انهيار النظام الإقليمي العربي، وانهيار احتمالات قيام شرق أوسط بهوية إسلامية متفاوتة، ورغم الجهود الفردية المتناثرة التي تبذلها بعض الأطراف العربية إلا أنها لا تشكل شبكة حماية لسوريا من المخططات السوداء التي تحاك لها.

أما على الصعيد الدولي، وبعيداً عن تفنيد مواقف أطرافه، فالواضح أن الإرادة الدولية بالعموم، وحسب التفسير الخاص لكل طرف، تبحث عن حل سياسي ينهي الصراع ويعيد الهدوء إلى سوريا.

لكن الإشكالية أن مفهوم الحل السياسي لدى هذه الإدارة فضفاض ومرن، بمعنى أنه مستعد للقبول بما تفرزه المعطيات وتكرسه الوقائع. وهنا مكمن المخاطر التي يستشعرها السوريون.


كاتب سوري

8