سوريا.. صراع المتشددين من أجل السيطرة يشتد ونظام الأسد المستفيد

الاثنين 2014/01/20
التنظيمات المتشددة في سوريا.. طعنة في ظهر الثورة

مما لاشك فيه أن ما تشهده سوريا في الأيام الأخيرة أعقد وأشد خطورةً مما كانت تشهده بداية الأحداث فيها، فبالإضافة إلى الثمن الباهظ المتصاعد عشوائيّاً الذي يقدّمه السوريون من أجل حرّيتهم، فهم يدفعون ضريبة مضاعفة نتيجة العبث بنظام استقطب معظم طغاة الأرض إليها.

يعتصر السوريون همومهم وآلامهم مما حل في بلادهم “من حصار، وجوع، وحرب، وقتل، ودمار، وتشريد، إلى كل المصائب التي قد تحل على شعب”، في الوقت الذي يدفع فيه المجتمع الدولي أطراف النزاع السياسية نحو الجلوس على طاولة للمفاوضات، قد تجمع في أولها ممثّل عن القاتل وفي آخرها ممثّل عن الضحية.


بداية الحكاية..


مع انطلاق الثورة السوريّة في مارس عام 2011، كان الحراك حينها سلميّاً لا تشوبه شائبة، ولم تكن هناك أذيّة سوى بطش النظام السوري الذي احتار في فنون قمعه، ليتحوّل في ما بعد في نفوس السوريين غضباً، يساعدهم ويحضّهم على حمل السلاح بغية الدفاع عمّا سلب وانتهك منهم، فازدادت معه وحشية النظام وبطشه، مقحماً جيشه النائم في مدن البلاد وقراها وشوارعها، ليستيقظ بعد قرابة الأربعين عاماً من سباته ويفتك بالأهالي “العدو الأزلي المبطن” بعدما اختار الاصطفاف نحو القيادة لا الشعب.

في ذاك التوقيت وحتى يومنا هذا، لم يكن للشعب السوري، بسلاحه مهما تطوّر وعظم، أن يجاري جيشاً نظاميّاً كان “يوماً ما” يصنف كأحد أقوى جيوش المنطقة، ما زاد الألم والمعاناة على أهل البلاد داعين قيادات المجتمع العربي فالإسلامي ثم الدولي إلى التدخل لكبح الآلة الإجرامية المتمثلة في النظام ومؤسساته، ذلك منذ الجمعة العشرين من تاريخ الثورة التي أطلق عليها السوريون اسم “صمتكم يقتلنا”، لكن ما اجتمعت عليه جميع هذه المجتمعات بنوايا متباينة بين الحسنة وصولاً إلى المآرب السيئة، كان منها أن سهّلوا ودفعوا بأصحاب الفكر الأكثر تطرّفاً في العالم إلى الداخل السوري، متسللين يوماً بعد آخر نحو صدارة المشهد، لنصل في يومنا هذا إلى حرب شعواء بين الشعب الثائر ضد كل من جيش النظام السوري وفصائل الفكر الجهادي المتطرّف.


كيف تعزز الأمر..


بعد أن سادت أوساط أصحاب فكر الإسلام السياسي والعسكري المتحمّسين فعلاً لفكرة الجهاد وأصابتهم سذاجة فريدة من نوعها، رفضوا من خلالها التفريق بين فريضة الجهاد الشرعيّة والعمل العسكري العشوائي الممتلئ بفجوات تجاوزات الحرب القاتلة والأخطاء الكارثيّة، وكان ذلك بدافع ما تم تبريره سابقاً بـ”توحيد صفوف المجاهدين”، كما استثمار الجهود نحو الهدف الأسمى مع إرجاء الخلافات في ما بينهم إلى ما بعد الانتهاء من المهمة الكبرى “التي كانت تبدو على أنها إسقاط النظام وغدت حقيقةً بإقامة دويلة خلافة إسلاميّة تعتمد الشريعة منهجاً في إدارتها”.

وحذّر الكثيرون من هيئات وعلماء الدين الإسلامي كجبهة علماء حلب، والدكتور إياد القنيبي من مغالاة الدولة في أفعالها كما تخوّفوا من ممارساتها التي بات السكوت عنها غير ممكن ..

خامة الشر المضمرة للغير متوافرة عند (جبهة النصرة) كحال (داعش)، وكلا الفريقين يصدران عن منهج واحد، وهو فكر تنظيم القاعدة المتطرف

واعتبر فصيل “الدولة الإسلامية في العراق والشام” امتداداً لتنظيم القاعدة في العراق الذي ذاع صيته بتاريخ إجرامي، وبتقديم خدمات مجانية لنظام الأسد بسيطرته على المناطق المحررة بدلاً من التوسيع في مناطق جديدة للتحرير، والوقوف إلى جانب الفصائل المقاتلة، كما أنه فرض حينها على الفصائل المقاتلة وعلى عامة الناس أيضاً البيعة وأعلن الدولة، كنوع من سلب الحريّات واغتصاب الرأي باسم الدين والجهاد، ثم باشر بتنفيذ عملياته البعيدة عن صلب الثورة والمجتمع السوري من قتل واعتقال وتعذيب للناشطين المدنيين والأهالي والمجاهدين أيضاً من غير فصائل ..

ومختصر القول، كان تنظيم داعش بمثابة طعنة في ظهر الثورة، دون أن يتجرأ أحد على إنكار هذا الواقع لإيقافه، بل اكتفى البعض سابقاً بتوجيه النصح من بعيد، لكن نصح الناصحين بدا وكأنه التفاف دبلوماسي يرفع الحرج عن صاحبه، ليتخذ موقفاً وسطاً بين الاعتدال والتطرف، إما خوفاً من التطرف وجمهوره الغوغائي، أو لعدم قناعته الكاملة بموقف الاعتدال أصلاً!


في المواجهة..


بعد الحملة الإعلامية التي شيّدت أساساتها على انتهاكات الدولة في حق المدنيين والعسكريين على حد سواء “كاختطاف الإعلاميين وتصفيتهم واغتيال قياديين من فصائل عدة كأحرار الشام وجبهة النصرة”، فتحت الحرب على فصيل “الدولة الإسلامية في العراق والشام” دون أية مفاجآت، بحيث تنبأ الملموّن بالشأن الجهادي عامةً وبالساحة السورية خاصةً بهذا الصراع، لكنهم رجّحوا وقوعه في مرحلة ما بعد الأسد، وليس في هذه المرحلة الحالية من مراحل المراوحة الميدانية للفصائل الشتّى للمعارضة المسلحة السورية بمختلفها، مع ذلك التقدم النسبي المقروء لجيش نظام الأسد على العديد من المحاور.

تحالفت عدة فصائل في قتال “الدولة الإسلامية في العراق والشام” ولعل أبرزها “الجبهة الإسلامية” و”جبهة ثوار سوريا” لتتمكن هذه الفصائل من أن تضرب وتسيطر على عدة مقرات للدولة في مناطق تعتبر من أبرز مناطق نفوذها، كما في مدينة الدانا بريف إدلب وفي مدينة الرقة.

إلا أن فصيل الدولة لم يستسلم ولم يهزم بعد، بل أمهل الفصائل المعادية له أربعا وعشرين ساعة لكي تتوقف الهجمة عليه، وما لبث بعد ذلك أن استعادت الدولة زمام الأمور في غالب المناطق، ونذكر في هذا الصدد كلمة رد أبي محمد العدناني الناطق باسم التنظيم حينما أعلنها حرباً على ما سمّاه “صحوات الشام”، فيما لا تزال المعارك دائرةً بين الأطراف بتباين في النتائج.

هنا قد يساور البعض تساؤل، هل بإنهاء فصيل “الدولة الإسلامية” تنتهي الحكاية ؟


ماذا عن جبهة النصرة؟

ممارسات القاعدة قبل وبعد الثورة

في سوريا

ضمن شهادات لأهالي منطقة الطبقة غرب محافظة الرقة شمال شرق سوريا، تحدّثت الناشطة “نورا” لمؤسسة أنا للإعلام الجديد عن مشاهداتها التي سبقت الثورة السورية بسنوات حيث قالت:“بعد حرب العراق سنة 2003 بدأ يتوافد العديد من الناس الأجانب إلى مدينة الطبقة تحديداً، كما توافد العديد من محافظات سوريا كافة، وكان القاسم المشترك الأكبر بينهم جميعاً هو الطابع الإسلامي الراديكالي الذي لم تعتده المدينة، ودخل إلى المدينة حينها الكثير من السلاح الفردي، حتى باتت مظاهره مألوفةً لدى الجميع، وعلى مرأى قوى الأمن والشرطة التابعة لنظام الأسد”.

وتضيف الناشطة “كانت يجري يوميّاً في محيط مطار الطبقة العسكري الشهير، العديد من التدريبات العسكرية بمعزل عن المدنيين وسمعنا عن الكثيرين من شبان الحي بأنهم قد التحقوا بصفوف الجهاد في العراق، وفعلاً كانوا يذهبون لفترات طويلة ليعود الأكثر حظاً منهم إلى البلدة، أما من نفقده منهم، فكان أصدقاؤه يخبروننا بأنه أتم عمليّة جهاديّة”.

وعن تجنيد الشبّان تحدثت “نورا”: “أفرزت مدينة “الطبقة” آنذاك ظاهرةً أشد غرابة، حيث كانت الدعوة إلى الجهاد من على منبر حصص التربية الإسلامية في المدارس، على مرأى ومسمع الكادر التدريسي، وكان الأمر أكثر من مألوف، ولم يخطر ببال أحدهم السؤال عنه”.

ثم تتابع الناشطة التي تعمل حاليّاً في دعم المشاريع التنموية في المدينة، أن في سنة 2008 بدأ الشبان بالعودة، إلا أن معظمهم كان قد بدّل طائفته الدينية، وكان الأمر مقبولاً حينها من باب حرية الاختيار، إلى أن شيدوا مسجداً خاصّاً لشعائر الطائفة الشيعية ثم شيدوا من بعدها جامعة “الزهراء” والتي كانت تبعيتها لجامعة بيروت.

وبالانتقال إلى بداية الحراك المتأخر نسبيّاً في مدينة الطبقة سنة 2012، أطلقت جماعة الأفراد الذين كانوا في الأصل مشاركين في حرب العراق، وأطلقوا على أنفسهم اسم “جبهة النصرة لأهل الشام” وقاموا بنشاطات عديدة، كتقطيع أوصال المدينة والمناطق وحتى الحواري، ونصبوا حواجزهم التفتيشية، وكان أشهرهم شخص يدعى “موسى الحسن” وهو ذو سيط ذائع في المدينة بسوابقه الجرمية والجنائية “كالاتجار بالآثار والذهب والمخدرات”، كما له نشاطات واسعة في تجارة السلاح، وتؤكد الناشطة أن المدعو “موسى” هو الآن أهم الشخصيات العسكرية المتواجدة في المدينة، لكنها أكّدت على عدم معرفتها ما إذا كان “الحسن” حيّاً حتى يومنا هذا أو لا، خاصةً أنه يتخذ عدّة أسماء مستعارة لسهولة التجوال والحركة والنشاط.

ذلك ما أدلت به الناشطة “نورا” بحديثها للمؤسسة في ذات التوقيت الذي تردها فيه أنباء عن اقتحام عناصر الدولة للبلدة، وتجوالهم في المنازل، ضمن حملة دهم واعتقال تقوم بها لإعادة فرض سيطرتها وهيبتها على المناطق.


لابد من التعرف عن حقيقة “جبهة النصرة” وبيان موقفها الحالي من “الدولة الإسلامية” فقد بات لدى الجميع يقين المعرفة بأن كلا الفريقين يصدران عن منهج واحد، وهو فكر القاعدة المتطرّف، ولعل هذا المنهج بحد ذاته يعد من أهم دوافع الإجرام الذي أقدمت عليه عناصر الدولة بالمسارعة نحو تكفير الآخر واستحلال دمه، ومنه فإن خامة الشر المضمرة للغير متوافرة عند “النصرة” كحال “داعش” وإن مارست الأولى سياسة التعامل السلس مع المدنيين لكسب التأييد الشعبي وذلك ما حصل.

أمر آخر كان باعتراف أبي محمد الجولاني قائد “جبهة النصرة” في أول خطاب له في أبريل عام 2013 بأنه كان يقاتل مع بضع من رجاله في العراق، تحت راية القاعدة وضمن تنظيم “دولة العراق الإسلامية” بمعنى أن لا خلاف جوهريا بين الأيديولوجيتين، فأبو محمد الجولاني وأبو بكر البغدادي كانا شريكي سلاح في حقبة سالفة لذات المنهج والعمل، في حين ترد أسباب عدم اتحاد الفصيلين في سوريا إلى التنافس والصراع على الزعامة والنفوذ، بمعنى أن جلّ الخلاف الحاصل بينهما هو خلاف سياسي بحت وليس منهجيا شرعيا.

ولازلنا نذكر تماماً الصدع الذي أصاب جسد القاعدة حينما أصدر أبو بكر البغدادي في التاسع من أبريل 2013 قراراً شرعيّاً يقر بحل جبهة النصرة واتحاد صفوف المجاهدين تحت المسمى الجديد “الدولة الإسلامية في العراق والشام” ليقوم الجولاني في اليوم التالي بمبايعة “الظواهري” الأب الروحي للقاعدة، للالتفاف على قرار “البغدادي”، وقد أظهرت هذه المبايعة في حقيقتها المنهج الدكتاتوري لدى الفصيلين، فمن جهة لم يأخذ “البغدادي” مشورة “الجولاني” أو حتى مشورة أهل الحل والعقد، كما أظهرت في الجهة المقابلة ديكتاتورية “النصرة” بعدم اكتراثها المطلق بأصحاب الشأن من المجاهدين والثوار والناشطين والسوريين عموماً، فلو أقررنا بوجود معركة في سوريا فإنه من المحتّم أنها لم تكن يوماً معركة للقاعدة، ومع ذلك نجد أن القاعدة تطفّلت على الثورة بغية حرف نتائجها باتجاه سياستها، ومن خلال هذه المبايعة ربطت الثورة بمسار القاعدة، بعكس ما يمكن أن يحدث بأن تلتحق القاعدة بركب الثورة كبقية الفصائل.

والمتطلع على سير عمل الفريقين يجد تشابهاً واضحاً لكليهما، بالسعي نحو التصدّر ورفض الانضمام إلى الكتائب السورية الموجودة أصلاً قبل ظهور فصائل القاعدة، أو التي توحدت لاحقاً “كالجبهة الإسلامية” و”جبهة تحرير سوريا الإسلامية” وإن انضمت الجبهة إلى أحداهما مؤخّراً لدواع عسكرية، كما الاعتماد على العنصر الأجنبي من المهاجرين، على عكس ما يشاع “بأن عناصر جبهة النصرة محصورون بأبناء سوريا” هذا ما أبداه “الجولاني” في بيانه الأخير حين قال “تواجد العنصر المهاجر في الساحة الجهادية ضرورة حتمية لإبراز حكمة الإسلام في مثل هكذا صراع تاريخي”.

وأخيراً يستطيع القارئ للأحداث أن يرى تبني “جبهة النصرة” لفكرة “الدولة الإسلامية” بعيد إسقاط النظام وإن أخفته في الوقت الحالي، الأمر الذي يشكّل تصادماً حتميّاً مع مشاريع الدولة المدنية السورية التي وإن اختلفت الأطياف السياسيّة في ما بينها، فهي تتفق حتماً على استبعاد مشروع ديني مؤدلج.

وفي نهاية المطاف سنجد أن المستفيد الأكبر مما يجري هو نظام الأسد الذي انفرد بباقي المناطق “كالنقارين والزرزور” في حلب، كما في “مخيم اليرموك وداريا والمعضمية ويلدا وبرزة” في دمشق وريفها، وإن تراءت لنا المنفعة التي قد تجنيها جبهة النصرة حاليّاً بتتالي البيعات وازدياد شعبيتها، خاصةً بعدما أًصبح ينظر إليها كطرف ألطف من نظيرتها “داعش” التي لعبت دور الشرير الأكبر في هذا الصراع.


(ANA PRESS)

7