سوريا: ضوء في نهاية النفق

السبت 2015/05/09

عادت سوريا إلى واجهة الأحداث بقوة، بعد سنوات من الاستعصاء فرضتها جملة من العوامل أبرزها إصرار النظام الأسدي على الاستمرار حتى لو على ركام بلد وشعب، والدعم غير المحدود الذي قدمه له نظامي إيران وروسيا سياسيا وعسكريا وماليا وإعلاميا، وتشتت قوى المعارضة وفشلها، والاستتباع الذي شرذم الكتائب العسكرية المقاتلة المناوئة للنظام، وتغول الحالة الجهادية على الثورة وصولا إلى ما بات يعرف بالدولة الإسلامية التي شتت جهود الجيش الحر ووضعته بين فكي كماشة؛ مقاتلوها من جانب، وقوات النظام من جانب آخر، إضافة إلى ما شهدته المنطقة من أحداث احتلت الواجهة بدءا بالحرب على داعش، مرورا بانقلاب علي عبدالله صالح والحوثيين في اليمن، وصولا إلى عاصفة الحزم. فهل خرج الواقع السوري من حالة الاستعصاء؟ وما هي التبعات في حال صح التوقع؟

وضع النظام الإيراني كل ثقله إلى جانب النظام الأسدي في مواجهة الثورة. ووظف كل القوى التابعة من حزب الله إلى الميليشيات العراقية إلى كل من يمكن تجنيده من “الشيعة” ، بالتفاهم والتنسيق مع روسيا التي واصلت دعمه بالسلاح وبالموقف السياسي ما مكن النظام الأسدي من الاستمرار. لكن أحداثا خطيرة أربكت النظام الإيراني، من توسع داعش في العراق، إلى إعلان التحالف الدولي لمحاربته بقيادة الولايات المتحدة، متزامنة مع التفاوض مع الدول الكبرى على الملف النووي، والتراجع في المقدرات نتيجة الحصار وانهيار أسعار النفط. وقد أجبرت الأحداث النظام الإيراني على مزيد التورط في العراق حتى لا تأتي حصيلة الحرب على داعش على حساب هيمنته هناك، ما أجبره على سحب الميليشيات العراقية من سوريا وشتت اهتماماته بعيدا عن الساحة السورية، وعندما حاول التركيز أكثر من خلال شن هجمات كبرى على الجبهتين الجنوبية والشمالية جاءت النتائج عكس المطلوب، وكانت الهزائم تتلو الهزائم، فسقطت بصرى الشام ومعبر نصيب في الجنوب وإدلب وجسر الشغور في الشمال من يد النظام. لم يكن وضع التدخل الإيراني في العراق أحسن حالا. فقد فشلت كل الجهود الرامية إلى انتزاع مدينة تكريت من داعش دون تدخل أميركي.

المفاجأة غير المحسوبة كانت عاصفة الحزم التي وضعت حدا لانتفاخ الوهم الإيراني في المنطقة من جهة، ومهدت لتنسيق المواقف بين الأطراف الإقليمية الداعمة للكتائب المعارضة في سوريا من جهة ثانية، ومع رفع مستوى الدعم العسكري مشروطا بتوحيد تلك الكتائب والعمل المشترك بينها على الأرض، كانت النتيجة دحر قوات النظام والميليشيات المؤيدة عن مناطق واسعة وتقدم الكتائب المعارضة.

شهدت ساحة النظام الأسدي تطورات بعضها ظهر وبعضها يجري التكتم عليه. بداية من مقتل أحد أبرز قادة النظام رستم غزالة، وصولا إلى ما يحكى عن مصير علي مملوك، مرورا بالاشتباكات التي تدور من وقت لآخر بين قوات النظام وميليشيات ما يسمّى بالدفاع الوطني. أما ما يجري التكتم عليه فقد يكون أخطر من ذلك، ومن ضمنه التدهور الخطير في مالية النظام، وما يشبه حالة التخلي الإيراني.

لئن لم تتمكن عاصفة الحزم (وبعدها إعادة الأمل)، حتى الآن، من حسم الوضع في اليمن، لكنها حققت المزيد من الإرباك للإيرانيين وحلفائهم. وربما يكون ذلك ما دفع دولها إلى مزيد التركيز على الساحة السورية مؤيَّدة بالموقف التركي ضد نظام الأسد.

وإذا كان هذا النظام بدأ يشهد حالة من الارتباك تدفع رموزه إلى ترتيب أوضاعهم للمجهول القادم، فإن التغيرات التي يعد بها المستقبل ينبغي أن يأخذها رواد الثورة السورية وقواها الحقيقية بالحسبان.

تداعي سيطرة الأسد على سوريا ليس وهما. ولكن سقوط بشار الأسد شيء، وتحقيق أهداف الشعب السوري من ثورته شيء آخر. وإذا كانت القوى الإقليمية والدولية تنشد مصالحها وتعمل على تحقيق ما تتوافق عليه، من خلال كسر الاستعصاء وتبديل الوقائع على الأرض، فإنه على القوى الحية أن تعيد ترتيب أوراقها بما يسمح، أقله، بفرض فتح الآفاق باتجاه تحقيق منجزات ملموسة تمكن الشعب السوري، لاحقا، من إنجاز التغيير الذي يطمح إليه، وقد بذل في سبيله التضحيات التي لا يمكن حصرها.

هناك ضوء في نهاية النفق. كل القوى المتورطة في الساحة السورية تغرق في ارتباكاتها بما في ذلك داعش والنصرة. وعلى قوى الثورة المدنية وبالأخص اليساريين الذين لم يتمكنوا حتى الآن من خلق تيارهم رغم تواجدهم اللافت على مساحة الثورة، ورغم امتلاكهم القدرة على فهم المرحلة، عليهم جميعا تقع مسؤولية إحداث تغيير في العمل الميداني وبين الناس الأكثر تضررا سواء من فتك النظام أم من النتائج الكارثية للأجندات الخارجية، وكذلك من قوى الاستبداد الديني. لا بد من إحداث تغييرات تعيد الاعتبار إلى أهداف الثورة، إلى سوريا حرة وديمقراطية لجميع السوريين. إسقاط النزوع الطائفي والمناطقي والإثني لدى الكثيرين لا يقل أهمية عن إسقاط النظام.

كاتب لبناني

9