سوريا: طريق للخروج من دائرة العتمة

الثلاثاء 2015/06/16

مع انطلاق النفير الطائفي الذي فشلت عملية إشراك النخب العلمانية والقومية بانتماءاتها المتنوعة في الحد من انتشاره المعتم، أصبحت الثورة السورية غير قادرة على تبني التغيير الديمقراطي المدني.

كرست حالة التعبئة والشحن الطائفي وغلبة الحلول الإقصائية حقيقة الخوف من الآخر، وشكلت نموذجا مستعصيا من الانغلاق الفكري والاجتماعي والسياسي القائم على الانتماءات الضيقة، الطائفية والإثنية، بعد أن جرى إخراجها من معيارها الديني، وتحويلها إلى حالة ولاءات سياسية تقودها منظومة فكرية غير منسجمة تحركها الأحقاد، التي تعتبر موجها سيئا في أي عملية سياسية هادفة للتغيير في بلد متعدد، ونتج عنها عملية تفاعلية معقدة ضمن جملة التاريخ المتكرر من الأحداث العنيفة التي بدأت في درعا، وأطلقت العنان لإسقاط المدن الواحدة تلو الأخرى، نزيف لا نعرف نهايته حيث صُنّاعِ الدمار والضحايا متوفرون دائما.

أزمة عقيمة أفرزها الانقسام في الصراع بين النظام المسنود من إيران من جهة، والمجموعات الأصولية كداعش والنصرة تشاركها بعض أطراف المعارضة السورية الهشة بتركيبتها ورهاناتها على حلول خارجية الصنع من جهة أخرى، ولكل منها حامل اجتماعي وشعبي ذو سمات معينة، وجغرافيا منفصلة آخذة بالتبلور، فالترويج والتعويم لفكرة التقسيم باتت ترسم ملامحها في العديد من الأفكار المطروحة بحيث أصبحت جزءا من قناعة المتحاربين بتشكيلاتهم العسكرية المتعددة، وكأنهم في تنافس هستيري لتثبيت المواقع على خطوط الخارطة، رغم فشلهم في تقديم نموذج معقول يُرضي من يتحكمون بمصائرهم.

غيّر طول الأزمة السورية النهج العام لحالة الحراك الشعبي، بحيث لم تعد “الثورة” بمعناها السابق هي الطريق المناسب لبناء أسس وطنية صحيحة، وإعادة توزيع الثروة وتكريس الديمقراطية في سوريا، فما أفرزته جدلية العنف والمسار السياسي المرتبط حصرا بالشرط الدولي الذي ما يزال بعيدا عن ابتداع حلول سياسية فعالة من خلال اللقاءات التشاورية الواهنة التي تتم هندستها بدقة لرعاية المصالح الغربية من جهة، وحفظ توازن القوى الإقليمية بغاياتها المختلفة والمتشابكة، يؤكد أن إستراتيجية تدمير سوريا، ثقافيا وفكريا واقتصاديا، واستخدام كافة وسائل العنف المتاحة ما زالت في بداية تحفيزها لاستنزاف آخر رمق لدى الشعب، الذي تمددت الأزمة السورية بكافة مفاعيلها لتسحقه وتدفعه إلى الحدود القصوى من الاحتقان المفتوح على كافة الاحتمالات، في ظل غياب معارضة فعّالة وطنية ومعتدلة قادرة على أخذ المبادرة الجدية في محاولة الخروج من الأزمة، وتقديم مشروع سياسي متوازن يرتكز على آمال وطموحات قطاعات اجتماعية وشعبية واسعة ترفض بالمطلق كل ما يمارس من أشكال العنف، وتسعى للمـحافظة على تماسك النسيج الاجتماعي والجغرافي السوري، وتتوافق مصالحها مع التحرر الاجتماعي والسياسي، وهي القادرة فعليا على كسر حواجز الرعب المتعدد الأطراف وتغيير الشروط القائمة التي تفتح الأبواب نحو إدارة صراعات وحروب دينية لا منتهية، خصوصا أن نسبة هذه الكتلة في حالة تزايد مع استمرار التردي المعيشي والاقتصادي وانعدام الأمن بكافة المناطق، إذ لا توجد “منطقة آمنة” كما يروج داخل حدود هذا الوطن، فكافة المناطق مشاعة للمتقاتلين ومواطنوها هم الوقود الحي للحرب الدائرة، بالإضافة إلى أن شريحة واسعة من مؤيدي النظام أدركوا عبثية الحرب التي يخوضونها وباتوا يرغبون في تغيير جدي في أساليب السلطة التي تحاول الإمساك بعكازة الصمود عبر التضحية بعدة مئات إضافية من الضباط والجنود وبما تيسر من المواطنين السوريين.

الشعب الذي يبتلع شظايا الواقع المر من مجازر ونفي وتدمير، ولا يعرف تحت راية من سيكون مثواه الأخير، بات يتطلع لأي حل ينقذه من براثن الفناء، وينتظر أن تستفيق النخب السياسية بمختلف توجهاتها من أوهام الحلول المستوردة، لتدرك أن حلول الأزمة السورية بيد السوريين وحدهم للخروج من دائرة العتمة.

كاتبة ورسامة سورية

9