سوريا على حافة الهاوية

الخميس 2014/05/08

هل فقدت سوريا الدولة كل شيء كانت تمتلكه قبل 15 مارس 2011 وهل تستطيع هذه الدولة أن تلملم أشتاتها أو ما تبقى منها لتعود من جديد كما كانت من قبل؟ الإجابة على قسوتها تقول لا، وهذه الـ”لا” الصادمة ربما لكثير من الحالمين تحيلنا بطبيعة الحال إلى؛ ماذا سيحدث؟

فسوريا التي باتت وفق تقارير أممية ومحلية واحدة من أسوأ الأماكن في العالم هي في حاجة إلى عقود طويلة كي تتمكن من إعادة بناء بنيتهـا التحتية التي هدم جزء كبير منها، والأهـم من ذلك طبعا هو استعادة حالة التعايش والسلـم الأهلي الـذي كان موجوداً، فقد استطاع النظام أن يقود البلاد إلى حافة الكارثة وفق كل المعطيات، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، فتم وبشكل منظم تمزيق “الحالة السورية” واقتلاع قرابة أربعة ملايين مواطن ليتحولوا بفعل التدمير الممنهج إلى لاجئين في دول الجوار أو راكبي بحر مغامرين تجاوزوا كل ما كان يمكن التفكير فيه، وصاروا مواطنين جددا في عوالم جديدة، وهم الآن بدأوا تأسيس حياة مختلفة كليا، ولعل الحنين الذي يظهر في كتاباتهم أو تعليقاتهم لا يلبث أن تخبو جذوته مع اندماجهم شيئا فشيئا في المجتمعات التي قبلتهم.

يقابل هؤلاء ستة ملايين مهجر داخليا، وهؤلاء تم صهرهم ديمغرافيا في مجتمعات محلية جديدة، بعد أن فقد معظمهم بيته وكل ما كان يملك، وهم في أغلبهم من مناطق سنية حملت، من ضمن ما حملته إلى أماكن سكنها الجديدة، علامات استفهام كثيرة حول نوعية هذا النظام الذي دمر مدنهم بالكامل بينما أبقى على مدنه.

المقصود هنا هي تلك المدن التي تصنف على أنها موالية له، والتي تميزها على الأغلب صبغة طائفية واحدة لكنها الآن باتت خليطا ومزيجا سكانيا متنوعا، لكن ما يجمعها هو إظهارها الولاء للنظام الحاكم طوعا أو كراهية، واضطرارها للتعايش رغم ما يضمره كل طرف للآخر، ويمكن رصد هذا التنافر عبر مواقع التواصل الاجتماعي الموالية خصوصا، والتي تطالب في كل مرة يتعرض فيها النظام لضربة موجعة بطرد “هؤلاء” النازحين.

ووفق هذا التوصيف الذي يسم عمق المشكلة المؤجلة، أي بعد سقوط النظام، لأن ما سيحدث في سوريا هو بلا أدنى شك حرب أهلية لم تستطع السنوات التي مرت من الاقتتال والصراع أن تحققها، لكن وبمجرد سقوط النظام وفقـدان مـواليه الدعم الكبير الـذي يتلقـونـه سـواء من قـواتـه العسكرية أم مـن داعـميـه الخـارجيـين المتمثلــين في إيـران ومعهــا حـزب الله وبعض الميلشيـات العراقيـة، وسيسقط عنهم، بالنتيجة، الغطاء القوي الذي يحميهم ويصيرون مكشوفين أمام أولئك المكلومين الذين سيكون بإمكان بعضهم البدء في عملية انتقام قد تمتد لسنوات، وكل ذلك بفعل التحريض المتصاعد الذي يقوده، وللأسف، كثيرون من المعارضين، الذين يهددون ويتوعدون، ويؤثرون بالضرورة على الساحة الهادئة حتى الآن.

ولعل الاكتفاء بالطمأنة الفارغة الذي يقدمه بعض قادة المعارضة ليس كافيا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدم انصياع الكثير من الفصائل المقاتلة على الأرض للمعارضة السياسية، بل إن الأمر يبدو أبعد من ذلك حين نعرف أن الداخل ولّد بشكل تدريجي قادة شعبيين هم في معظمهم من القادرين على التحريض، وقد تمت فعلا تصفية الكثير من القادة الميدانيين الذين كانوا قادرين على ضبط الأمور.

ابتدأ الأمر مع الضابط يوسف الجادر ثم وصل إلى القائد الميداني عبدالقادر الصالح، وبهذا فالحالة تنذر بالمزيد من الاقتتال ولن يوقف سقوط بشار الأسد ونظامه الحرب الدائرة كما يحلم الكثيرون. الحقيقة أن في هذه الرؤية شيئا من السوداوية المفرطة، لكن ما هي الحلول المتاحة أو المطروحة على الساحة حالياً؟

الجواب ببساطة، لا توجد حلول، فالنظام بصورته الحالية التي تطورت من حالة الإنكار، إلى حالة التباهي بالقتل والاعتراف به واعتباره انتصارا وإلباسه لباسا مضحكا من خلال تصوير الأمر وكأنه دفاع عن فلسطين، وسعي حثيث لاستعادة الجولان المغتصب، بل والتغني بتدمير مدينة سورية مثل يبرود، ويشاطره في هذه الرؤية كل من حليفيه في طهران وضاحية بيروت الجنوبية بطبيعة الحال، وهما يسوقان بشكل عجيب على جمهورهمـا المغيب كليا هذه الدعاية الفارغة.

ولا يوفر أمين عام حزب الله مناسبة إلا ويعلن فيها بفخر أن قتاله إلى جانب قوات النظام السوري هو استكمال لمشروعه التحرري الذي ابتدأه عام 2000 بطرد إسرائيل من جنوب لبنان.

وعلى الضفة الأخرى، تقف المعارضة المسلحة حائرة لا تقاتل النظام فقط، بل تقاتل لتكسب رضى العالم واعترافه بها بعد أن تداخلت جبهاتها مع جبهات بعض الجهاديين الذين أعلنوا في كل مناسبة أتيحت لهم أن هدفهم هو إقامة دولة إسلامية على أنقاض الدولة التي يتم تدمير ملامحها تباعا، وتبرز مدينة الرقة، والتي تسيطر عليها دولة العراق والشام الإسلامية، كنموذج معطِّل لأي مسار معتدل تسعى المعارضة المسلحة إلى فرضه وإظهاره للعالم.

ومع استمرار انهمار البراميل المتفجرة على المدن السورية، يبدو أن الحالة آخذة بالتقهقر أكثر فأكثر، وأي توقع لصيرورتها يبدو ضربا من التبصير والتنجيم الذي لا يستند إلى دراسة منطقية أو واقعية، ولا يقدم بالنتيجة أي جواب على أي تساؤل.


كاتب سوري

9