سوريا.. غياب الدولة وعودة المحاكم الشرعية

في سوريا لم يكن أثر الثورة كامنا فقط في صعود التنظيمات المتطرفة، بل إن الأخطر هو ظهور تعبيرات اجتماعية تتبنى حسم الخلافات وتنظيم العلاقات بالقواعد الشرعية. هذه التعبيرات هي أكثر خطورة من التنظيمات المتشددة وستترك أثرها لعقود قادمة
الاثنين 2017/06/19
تتراجع الدولة فيسود التشدد

تحول السلطة المركزية للنظام السوري إلى نسق من الهيمنة ذات المظاهر المسلحة على أماكن نفوذها، وتغييب القانون كمرجعية لحل الخلافات والنزاعات في سوريا، جعلا من انتشار الجرائم المنظمة على غرار القتل والاختطاف والاغتصاب والسطو وتجارة المخدرات وغيرها حدثا كثير التكرار يقوده العنف والكسب غير المشروع. وقد صنفت سوريا حسب التقرير السنوي لمؤشر الجريمة الذي صدر في أواخر العام الماضي في المرتبة الخامسة ضمن دول الشرق الأوسط، وفي المرتبة الـ31 عالميا.

تعويم العنف وسهولة وصول السلاح إلى أيدي الناس جعلا أبناء المجتمع السوري رهينة للخوف والحاجة إلى مَن يوفر لهم الأمن ويمنع الاعتداء على ممتلكاتهم وتهديد حياتهم، وبالتالي الرغبة في وجود قضاء يقدّم لهم العدالة أو النجاة مما يمارس بحقهم من انتهاكات وإن اختلفوا معه في الأيديولوجيا. وهذا لا يقتصر على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وما أسسته من محاكم شرعية متنوعة حسب تنوع الفصائل التي فرضت قوانينها على الشعب واعتبرت أي مخالفة لها هي مخالفة للشريعة، لتكون أبعد ما يمكن عن العدالة، أو على مناطق الإدارة الذاتية للأكراد وما أسسته من مجالس محلية وهيئات شعبية مهيمنة على تفاصيل الحياة والتي تنفذ فيها أحيانا كثيرة محاكمات تعسفيّة وانتقامية، فالمدن الواقعة تحت سيطرة النظام رغم أنها لم تدخل حيز الصراع المسلح ولم تدخلها الفصائل الجهادية، غابت عنها السلطة القضائية والقانونية وانحسر فيها مدّ الدولة إلى مجرّد حواجز عسكرية وأمنية يمكن تفاديها غالبا، ما سمح بانتشار الجريمة المنظّمة والعشوائية.

مع تفاقم المخالفات والجرائم في العديد من المناطق كمدينة السويداء في الجنوب السوري، اندفع المجتمع المحلي للبحث عن طرق لردعها عبر العودة غير الحميدة لأحكام القانون العشائري، فقد طرح وجهاء الطائفة الدرزية وثيقة تعود إلى قرون خلت تُسمى “طرش الدم” وتعني هدر دم “السارق أو المغتصب أو القاتل” والحكم عليه بالقتل وتوزيع دمه بين العائلات كافة، وتفترض الوثيقة التي تم توزيعها في نهاية الشهر الماضي توقيع كافة العائلات الدرزية عليها ليتم اعتمادها كقانون يتم بموجبه تنفيذ حكم الإعدام ضد الجناة، وتعتبر كل عائلة موقعة على هذه الوثيقة مشاركة في الحكم الذي سيصدر من “اللجنة العشائرية الدينية” المفوّضة باستصدار أحكام الإعدام، وذلك منعا للثأر من قبل ذوي المحكوم حسب زعم القائمين على الوثيقة.

وثيقة “طرش الدم” التي مثلت إعلانا لقيام المحاكم العشائرية الدينية التي تقودها الزعامات التقليدية الدينية والاجتماعية كرد فعل شعبي على غياب الدولة في مدينة السويداء شكلت خشية كبيرة لدى الكثيرين، خصوصا أن في السويداء الكثير من الشباب الرافضين للخدمة العسكرية والمعارضين السياسيين الذين ازدادوا عددا وقوة مع غياب الضغط الأمني، بالإضافة إلى جماعة “رجال الكرامة” التي أسسها الشيخ وحيد بلعوس وانتقلت زعامتها إلى أخيه وأولاده بعد مقتله، فتلك الزعامات مرتبطة بالأجهزة الأمنية التي أهّلتها للإمساك بزمام المجتمع والعودة به إلى الأحكام القبلية وإجراء المحاكمات الارتجالية العاجلة التي يتم تنفيذها في “دار الإمارة” بعد أن فوّض مشايخ العقل ووجهاء الجبل “الأمير” جهاد الأطرش بتنفيذ الأحكام.

علما أن هذه الدار انتهت واقعيا مع إلغاء دولة جبل الدروز واندماجها بالدولة السورية في العام 1936، وغابت سلطتها المعنوية منذ وفاة الأمير حسن الأطرش عام 1977، وتزداد خطورة إحيائها وتأهيل وارثيها حاليا بأنها بداية لتشكيل إدارة ذاتية قبلية تكون تابعة للأجهزة الأمنية وتقوم بدورها في سحب سلاح المتمردين على تلك الأجهزة وملاحقتهم، وخطوة لإخضاع المجتمع المحلي بالسويداء لمفاعيل القبلية وغرائزية قراراتها وإبعاده عن القيم المدنية التي يعيشها غالبية أبناء المحافظة، عدا عما ستتسبب فيه من أحقاد واقتتال بين العائلات الدرزية لتستكمل ما شرعنته الحرب من حال الفوضى والانهيار التي تهدد المجتمع السوري ككل.

الحرب والفوضى التي عمّت سوريا مع تنوع الأيديولوجيات التي تحكم الأراضي السورية، سجلت فصولها الأقسى في انعدام القانون ومقومات وجوده وتطبيقه كمرجعية مجتمعية، فبدل الضغط على ما تبقى من مؤسسات الدولة القضائية وفصلها عن الأجهزة الأمنية لتأخذ مسؤوليتها في حماية المجتمع وتشكيل رادع قانوني، تم إسقاط المجتمع ككل في دوامة الاعتداءات المتتالية على أمن المواطنين التي فرضت واقعا جديدا دفع السوريين إلى القبول بالمحاكم الشرعية أو المحاكم العشائرية الدينية والتي تتخذ من تقنين انعدام القانون واغتيال المحاكمات الإنسانية العادلة حلا لمشكلات المجتمع.

13