سوريا.. في خضم رهانات جنيف وسوتشي

الخميس 2017/12/21

سبع سنوات من الجهود الدولية لحل الأزمة السورية والعشرات من المؤتمرات الدولية بمشاركة لاعبين محليين وإقليميين ودوليين، لم تسفر إلا عن المزيد من الاقتراحات والوثائق التي يغيب أي قرار تنفيذي لتطبيقها، فتعنّت الطرفين، النظام والمعارضة، في السير نحو التحاور الجدي لإيجاد حل للمأساة السورية مازال ملازما للمسار السياسي المستمر.

لم يكن مؤتمر جنيف 8 كغيره من المؤتمرات، فمن حيث التوقيت فإن هذه الجولة من المباحثات هي الأولى بعد إنهاء وجود تنظيم داعش وفرض مناطق لخفض التصعيد، الذي يصب باتجاه العودة إلى ثنائية النظام والمعارضة ودفع المسار التفاوضي ليكون أكثر جدية باتجاه الخلاص من تبعية الحل السياسي لإرباكات الميدان العسكرية.

أما من حيث المطالبة بالواقعية السياسية لكلا الطرفين، النظام والمعارضة، فقد عبّر عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قمة سوتشي بالقول إن “أطراف الأزمة السورية يجب أن تقدم تنازلات بما فيها الحكومة السورية”، وتلاها مطالبة المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا للمعارضة السورية بالتحلي بالواقعية السياسية لتحقيق تقدم في اجتماعات جنيف الحالية وإلا سيكون سوتشي بديلا لجنيف السورية.

لكن كل هذا لم يؤدّ إلى نجاح جنيف 8، فبدايته المتعثرة كانت نتيجة استياء وفد النظام من مخرجات مؤتمر الرياض 2، ورفضه المحادثات المباشرة مع المعارضة، وعدم قبوله مناقشة إعداد دستور جديد وانتخابات جديدة، أو نتيجة احتجاج المعارضة على وثيقة دي ميستورا التي لم تتطرق إلى تنحية النظام بل مشاركته برموزه في المرحلة المقبلة.

تعنّتُ طرفي النزاع في القبول بالحلول المطروحة لن يكون مديدا، فجملة المعطيات تشي بالتوجه نحو ترتيب الحلول، فإعلان الولايات المتحدة بقاءها في سوريا إلى حين استكمال الانتقال السياسي وقيام تسوية تحقق التغيير المنشود، يشكل ضغطا كبيرا على المحور الروسي الإيراني السوري، قد يجبره على المضي قُدما في المسار السياسي.

كما أن إعلان روسيا سحب قواتها من سوريا باعتبار أن عملية إنقاذ سوريا انتهت، يشكل انتقالا نحو فرض التسوية السياسية، وفق ما عبّر عنه بيان الرئيس الأميركي ونظيره الروسي في أن التوصل إلى تسوية سياسية نهائية للصراع يجب أن تكون في إطار عملية جنيف، وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 2254، وهذه الفقرة لم تأت على ذكر مصير بشار الأسد نهائيا، بل ركزت على التغيير الدستوري والانتخابات النزيهة بمشاركة كل السوريين تحت إشراف الأمم المتحدة للوصول إلى حكم غير طائفي وذي مصداقية شاملة.

المعضلة الحقيقية ستكون بماهية الحلول وأولوياتها. فالرهانات المتباينة للأطراف السورية والدولية لم تحل بعد، وعدم التوافق الأميركي الروسي على الأولويات مازال مستمرا. فالاهتمام الأميركي ينصبّ حول الانتخابات وأن صناديق الاقتراع ستولّد نظاما جديدا بغض النظر عن الاتفاق بين طرفي المفاوضات حيال تقاسم السلطة، والاهتمام الروسي يتجه نحو الدستور الذي يعني تغييرا في شكل الحكم لا مضمونه.

ويرى أن تعديلات الدستور ستحدد طبيعة النظام السياسي في المرحلة المقبلة، فروسيا لا تريد إحداث نقلة جذرية في بنية النظام. والأدهى أن هذا التباين له أثره الكبير على النظام والمعارضة اللذين مهما اختلفا فإن لهما مخاوفهما المتشابهة نسبيا من الانتخابات القادمة وترك القرار للشعب في الاختيار، ومن تغيير الدستور والتوجه نحو نظام ديمقراطي سيؤسس لقواعد وضوابط تساهم مع الوقت في الحدّ من سلطة النظام وقد لا تكسب المعارضة شيئا.

التوجّه العام لحلّ الأزمة السورية والسير باتجاه دفع عملية التسوية مازال مترنحا، والعملية السياسية لا تزال بعيدة عن إنتاج حلول، فمن مصلحة النظام الدفع باتجاه مؤتمر سوتشي المزمع عقده أوائل العام المقبل ليصبح الحل السياسي بيد الروس بشكل رسمي، وليصبح دور جنيف فقط هو المصادقة على ما يتم التوصل إليه في سوتشي من إعادة هيكلة النظام وجعل العملية الانتقالية في سوريا عملية إصلاح وليست انتقالا سياسيا يؤدي إلى تغيير جذري.

أما رهانات المعارضة فهي أن تُتَوّج عملية الإصلاح بتغيير سياسي لا دور فيه للنظام الذي كان تغييره، ولا يزال، بالنسبة لبعض المعارضين هو الحل الأساسي لكل مشكلات سوريا. ونتيجة لكل هذا فإن التسوية ستكون تعبيرا عن توافقات عربية وإقليمية ودولية ينصاع لها الطرفان بعد الكثير من الخيبات.

كاتبة سورية

8