سوريا.. قبلة الجهاديين

السبت 2013/09/07
الجهاديون الأجانب.. قنبلة موقوتة تهدد المنطقة برمتها

كشفت الباحثة سعاد ميخينيت، المهتمة بالحركات الإسلامية المتشددة، أن مشاركة الجهاديين الغربيين في القتال الدائر في سوريا باتت تعدّ ظاهرة خطيرة. وأفادت ميخينيت، زميل زائر بمركز ويزرهيد بجامعة هارفارد وكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكينز وتعمل حاليا بالقناة الألمانية ZDF، بأن ثمة أخبار تفيد بوصول جهادي من أصل ألماني – معروف لدى وكالات الاستخبارات الغربية – إلى سوريا وبصحبته مجموعة من «أخوة آخرين من أوروبا» للاشتراك في المعارك ضد قوات الأسد.

وأشارت الباحثة في مستهل تحليلها، الذي نشره موقع «ديلي بيست» الإلكتروني، إلى رسالة تلقتها عبر بريدها الإلكتروني من مرسل مجهول. وكانت الرسالة تتكون من سطر واحد فقط: «هذا نشيد جديد لـ أبو طلحة الألماني» ورابط لفيديو على موقع يوتيوب، منشور بتاريخ 30 يوليو.

كان الصوت في الفيديو المنشور على يوتيوب مألوفا. إنه صوت لمغني اشتهر بغناء كلمات العصابات؛ إنه مغني الراب «ديسو دوج»، الذي كان الوشم يغطي يديه، وكان لديه وشم على اليد اليمني يحمل الرموز «STR8» وآخر على اليد اليسرى يحمل كلمة «بلطجي». لقد تحول هذا المغني بعد ذلك ليصبح أحد أنصار الجهاد وحمل الإسم الحركي (أبو طلحة الألماني).

أبو طلحة الألماني

أبو طلحة، واسمه الحقيقي دينيس مامادو كسبرت، هو مواطن ألماني، وُلد في برلين في عام 1975، وانضم إلى عدد متزايد من المتطرفين حاملي جوازات السفر الغربية، الذين انضموا إلى الحركات الجهادية في الحرب ضد الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه.

أبو طلحة الألماني
"ديسو دوج" أشهر مطرب راب في ألمانيا يلتحق بجهة النصرة تحت اسم «أبو طلحة الألماني». ووفقا لأجهزة الاستخبارات الغربية وأعضاء دوائر الجهاديين، فإن أبو طلحة يقاتل حاليا كعضو في جبهة النصرة، ويدين بولائه للملا محمد عمر.

وقد عُرف أبو طلحة لدى مجتمع الاستخبارات لسنوات بعد إلقاء الخطب في جميع أنحاء ألمانيا؛ وكانت هذه الخطب تدور في المقام الأول حول انتقاله من حالة «ولد شرير حقيقي» إلى رجل عثر على «الطريق الصحيح». ولم يخفِ دعوته إلى الجهاد، الذي لا يمثل له كفاحا شخصيا فحسب ولكن معركة عسكرية أيضا؛ الجهاد لديه 'واجب'. لقد أقسم بالولاء للملا محمد عمر، الذي وصفه بأنه أحد «أعظم الرجال». ووفقا لأجهزة الاستخبارات الغربية وأعضاء دوائر الجهاديين، فإن أبو طلحة يقاتل حاليا كعضو في جبهة النصرة ضد قوات الأسد وأنصاره من مقاتلي ميليشيا حزب الله وأعضاء من جيش المهدي من العراق. وكانت جبهة النصرة قد أقسمت بالولاء لتنظيم القاعدة.

تجدر الإشارة إلى أن هناك خلافا واسعا حول أعداد المقاتلين الأجانب في سوريا. وبحسب تقديرات أجهزة الاستخبارات الغربية والمحللين، فإن عدد المقاتلين الأجانب يبلغ حوالي 6 الآف مقاتل، ويُعتقد أن 10 بالمئة منهم قد أتوا من أوروبا وأستراليا وأميركا الشمالية. في حين أن أجهزة المخابرات العربية تعتقد بأن هناك 15 ألف مقاتل أجنبي على الأقل، بينما يتحدث الجهاديون عن وجود حوالي 30 ألف مقاتل أجنبي، يُعتقد أن معظمهم من تركيا وجنوب شرق آسيا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط والقوقاز.

تجنيد الوافدين


لكن، ليس كل الأجانب الذين توافدوا على سوريا جاؤوا، في البداية، ضمن أجندة عمل جهادية. وتنقل الباحثة عن مسؤول استخباراتي عربي، رفض الكشف عن هويته، قوله: «أراد بعضهم الانضمام إلى الجيش السوري الحر، ولكن قام الجهاديون باستقبالهم وضمهم إليهم بسرعة»، مضيفا «إنهم يعرفون كيفية تجنيد الوافدين».

وأضافت الباحثة: «أكد ذلك لي رجل ليبي التقيته في تركيا، حيث كان يُعالج من جروحه. وخلافا لمعظم الاجتماعات التي أجريتها مع أعضاء الجماعات الجهادية في الماضي، لم يتم ذلك في الخفاء، ولكن في غرفة الطعام بفندق خمس نجوم، حيث كان يقيم مع بعض الأصدقاء الليبيين الآخرين».

قاتل هذا الليبي، واسمه أبو عبدالرزاق، مع جبهة النصرة. وفقد ساقه في حلب، عندما سقط صاروخ على الفرقة التي يقاتل معها، ولكنه واصل التنسيق مع المقاتلين داخل سوريا وكان يساعدهم على عبور الحدود عبر تركيا.

يقول بصوت رقيق: «هناك العديد من الإخوة الذين انضموا إلينا من أوروبا، وبعضهم في حاجة إلى مزيد من التدريب لأننا تعلمنا القتال خلال الحرب ضد القذافي. ولكن هناك منهم من يتحلى بالشجاعة».

ووفقا لأبو عبدالرزاق، تمت إعادة بعض المقاتلين الغربيين إلى بلدانهم. «فقد كانوا أضعف كثيرا بحيث لا يستطيعون المشاركة في القتال ولكن بوسعهم إفادة القضية بطريقة أخرى عند عودتهم إلى بلدانهم». وأشار إلى أنه لا يريد أن يأتي على ذكر المزيد من الطرق التي يمكنهم بها إفادة القضية.

وقال أبو عبدالرزاق إنه رأى العديد من المقاتلين الأوروبيين في وحدة بالقرب من حلب ولكنه لم يكن على علم بأسمائهم. ومع ذلك، صرح رجل آخر، معروف بعلاقاته الجهادية، أنه لم يسمع عن «الأخ الألماني». من جهته، قال عمر بكري محمد، مؤسس منظمة «المهاجرون» المحظورة في بريطانيا إن «أبا طلحة الألماني أخ معروف جدا، وهو مقاتل شجاع». واتُّهم بكري محمد بالتطرف والتحريض على العنف. ولم يعد مسموحا له بالعودة إلى بريطانيا، ويعيش الآن في طرابلس، شمال لبنان.

وفي محادثة جرت بينه وبين الباحثة مؤخرا، قال: «إن المعركة لم تعد بين المعارضة السورية والحكومة، وإنما بين المسلمين والكفار».

صراع طائفي

هل سوريا هي الدولة الجديدة المناسبة للمجموعات الجهادية؟ هذا هو ما يقلق أجهزة الاستخبارات في الدول الغربية والعربية. وبينما تحول الوضع في سوريا إلى حرب أهلية ويهدد بمزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها، يزداد تحول الصراع إلى الطائفية. وتنقل الباحثة عن مسؤول استخبارات عربي قوله: «هذا تحول كابوسي. لقد ارتُكبت الأخطاء من البداية عندما نبهنا، وبخاصة الولايات المتحدة، إلى أن تدرك أن العديد من المقاتلين الأجانب الذين كانت لديهم أجندة جهادية واضحة يعبرون الحدود من تركيا إلى سوريا.

وانضم مقاتلون من الشيعة الأصوليين من العراق ولبنان للقتال إلى جانب الأسد أيضا، ونحن نرى أن الوضع ينحدر إلى صراع طائفي إقليمي».

كان ينظر إلى المؤشرات الأولى لهذا التحول في العراق، حيث كانت هناك اعتداءات يرتكبها عناصر من التابعين لتنظيم القاعدة ضد الأحياء الشيعية، بينما انفجرت في البحرين خلال الأسابيع القليلة الماضية عدة قنابل على نحو متزايد في الأحياء السنّيّة.

وقال مسؤول استخباراتي أوروبي: «نرى أيضا تأثير الجماعات الشيعية العراقية المتطرفة».

مشكلة أمنية

ينتاب محللو ومسؤولو الاستخبارات القلق من عودة رجال مثل «كسبرت» إلى بلدانهم الأصلية، الأمر الذي يمثل مشكلة أمنية كبيرة، فهو يُمثل تهديدا على الرغم من كونه بعيدا عن الغرب حيث يقاتل في سوريا. وبنشر لقطات فيديو مثل تلك التي وصلت الباحثة عبر البريد الإلكتروني، فإنه يكون بذلك يشجع على القيام بعمليات انتحارية. ويغني «كسبرت» في الفيديو بالألمانية قائلا: «أتمني الموت، ولا يمكنني انتظاره، أحمل القنابل: الجنة، الجنة».

ويشجع في أحد المقاطع على القيام بعمليات انتحارية، قائلا «إنني أشعل القنبلة في وسط زحام، أضغط على الزر – الجنة، الجنة» ـــ أو «تحت الأرض» أو قاعدة «الصليبيين». ويُظهر شريط الفيديو صورا ولقطات من تفجيرات وهجمات في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط وبريطانيا وينتهي بصور من نيويورك في 11 سبتمبر-أيلول.

7