سوريا: كوارث مستقبلية

الأربعاء 2015/11/25

تنوعت الكوارث التي أصابت البنية السورية، واختلفت مستويات تأثيرها على الواقع المعيش، فهي لا تقف عند حدود الدماء والخراب والدمار الكبير للممتلكات، إنما تدل على كوارث مستقبلية قادمة تنتظر سوريا بعد انتهاء المعارك.

أنتجت المقتلة السورية معضلات تشكل الواقع الآني من الفقر والشقاء، إلى حالات التحلل العام الموغل في ثنايا المجتمع، وفقدان القضية الوطنية إلى حد الضياع والتلاشي بعد أن تعممت ثقافة البحث عن الهويات الضيقة الطائفة والمذهبية والإثنية، وحتى القبلية والعشائرية، والصراعات المذهبية الطوائفية الكامنة والمعلنة، إلى انتشار الميليشيات المسلحة والاحترابات، وانتعاش المظلوميات، ونشوء الأفكار الانفصالية لدى العديد من الطوائف والإثنيات، وهي بمجملها ستترك آثارها الدامية على المستقبل السوري.

داخل هذا الواقع المتشظي والشرخ الاجتماعي الحاصل بين السوريين، تأتي المتغيرات الديمغرافية لتشكل جزءاً من الكوارث القادمة، ورغم انعدام الإحصائيات الدقيقة إلا أن المعطيات تشير إلى تغييرات كبيرة وسريعة في الهرم السكاني، فمن ناحية أولى: تراجع عدد السكان في سوريا بنسبة تعادل 12.1 بالمئة مقارنة بالعام 2010، وهذه النسبة ترتبط بشكل أساسي بمعدل الولادات والوفيات والهجرات، ففي الوقت الذي لم تسجل فيه أعداد الولادات تغيراً ملحوظاً، ازداد معدل الوفيات بنسب كبيرة، إما جراء المعارك والعنف المفرط واستخدام القصف العشوائي، وإما بفعل مجريات الحرب وما رافقها من تدني المستوى المعيشي وانهيار الوضع الصحي العام نتيجة تدمير البنية التحتية للقطاعين الصحي والغذائي، وكان الأشد تأثراً بها الأطفال والرضع، إضافة لارتفاع معدل الإعالة الصحية والإعاقات الجسدية، وتراجع النظام التعليمي وارتفاع نسبة الأمية إلى 50 بالمئة فيما تمت تسميته “المناطق المتنازع عليها” و20 بالمئة في المناطق التي صنفت على أنها “مناطق آمنة”.

أما الهجرات إلى دول الجوار والغرب، فسجلت معدلات قياسية في بعديها الفعلي والرمزي، وتقدر أعداد السوريين بأكثر من 4 ملايين نسمة، مدفوعين بالشعور الطاغي بالخطر، وانعدام إمكانية الحل القريب، والاقتصاد المزري، وازدياد نسبة البطالة إلى 85 بالمئة، والارتفاع الجنوني في الأسعار وتوقف الخدمات العامة. هذه الهجرة ساهمت في تفريغ سوريا من جزء كبير من مكوناتها الإثنية المسيحية (آشوريين، سريان..) التي تشكل مرجعاً حضارياً سورياً، ومن الفئة الشبابية التي سجلت النسبة الأكبر في معدل الوفيات وفي موجات الهجرة، وستؤدي إلى خلل جوهري في التركيبة العمرية وقوة العمل المستقبلية، وذلك لما يحملونه من إمكانات متنوعة فكرية وعلمية وحتى جسدية، يقع على كاهلها بناء المجتمع وتطوره.

الناحية الثانية: تتمثل في تغير التوزع الجغرافي السكاني داخلياً. حيث أدت سياسة الحصار والمجازر من قبل النظام والميليشيات المسلحة، إلى بروز مأساة النزوح الداخلي، وانتقال فئات سكانية كبيرة لتكوّن تجمعات سكانية عشوائية على أطراف المدن، وهي بالإضافة إلى معاناة وبؤس النازحين ستشكل خطراً قادماً بسبب الفوارق التنموية بين الريف والمدينة، وستزيد الضغط على الموارد والثروات والمرافق الخدمية وفرص العمل في مدن ومناطق معينة. كما أن التهجير من منطقة إلى منطقة، التي تم استخدامها من قبل المتنازعين كخطة تعتمد على وزن الجماعات التي تتقاسم الأرض أو تتنازع في ما بينها، يمثل إعادة ترتيب لخارطة طائفية ودينية ستخلق بؤر توتر مستقبلية نتيجة تغيير بنية المناطق الاجتماعية والثقافية والخلط بين ما هو طائفي ومذهبي، وما هو استراتيجي وسياسي، هذا الخلط الذي يفتت النسيج الاجتماعي وقد يصعب التخلص منه سريعاً.

المأساة السورية من الدمار والدماء، إلى المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية التي أصابت الهرم السكاني في الصميم، لا يمكن إغفالها وستشكل كارثة مؤلمة تستعاد أحداثها في اللاشعور الجمعي ومدخراته الموروثة وترخي بظلالها السوداء على المستقبل السوري.

كاتبة ورسامة سورية

9