سوريا: لعنة "المسألة الوطنية"

الاثنين 2014/04/14

ربما لم يكن أغلب السوريين الذين خرجوا دفاعا عن كرامتهم إلى الشوارع قبل ثلاثة أعوام يعلمون أن “حقوقهم البسيطة على هذا القدر من التعقيد”، كانت مطالبهم لا تتجاوز الحق في الكرامة الإنسانية والخلاص من الفقر والفساد، وعلى هذه الحقوق البسيطة تصادمت جميع الأجندات والأيديولوجيات، وغدت بلادهم ساحة لتصفية الحسابات، إنها لعنة الصراعات الدولية، ومعها لعنة العقائد التي تضع في رأس سلم أولوياتها أشياء كثيرة قبل الإنسان وحقوقه وكرامته.

المسألة الوطنية السورية أرخت بكل ثقلها على أحلامهم وأرواحهم، فمنذ اللحظة الأولى حاصرهم نظام الأسد بشعارات الوحدة الوطنية وتحرير الأرض المحتلة والتصدي للمؤامرات الخارجية، ومن على منصة “الوطنية” أطلقت عليهم النيران من الرصاص وصولا إلى صواريخ سكود والأسلحة الكيميائية، ولأن النظام يزعم أنه يقاوم إسرائيل، كان على السوريين أن يسمعوا خطب الوطنية من كل حدب وصوب بينما تواصل الآلة العسكرية والأمنية للنظام تصفيتهم بلا رحمة.

لكن الحقيقة تقتضي القول إنه ليس النظام وحلفاؤه وحدهم من خنقوا أحلام السوريين “بالمسألة الوطنية”، كذلك فعلت أغلب القوى والتيارات المعارضة، كذلك فعل أغلب المثقفين والكتاب والصحفيين، حتى أن كثيرا من أولئك الذين انضموا إلى الثوار السوريين في مطلب إسقاط النظام لم يكن شأنهم أحسن حالا، فالجميع يتحدث عن المسألة الوطنية السورية.

تتلخص المسألة الوطنية في ثقافتنا السائدة بالوحدة الوطنية والموقف من إسرائيل ولا شيء آخر، حتى أن الأمر وصل ببعض المثقفين السوريين إلى إطلاق شعارات لا تقل شمولية عن شعارات البعث في التلازم بين النضالين القومي والاشتراكي، ثمة من يتحدث عن التلازم بين المسألة الديمقراطية والمسألة الوطنية، المسألة الوطنية بشقيها المذكورين أعلاه فقط، أما بقية القضايا التي تتصل بالمسألة الوطنية فلا حضور لها عند الحديث عن الوطن السوري.

على أن البحث في المسألة الوطنية لأية دولة وطنية يعني البحث في كيفية صيانة أسس هذه الدولة الوطنية، يعني البحث في كيفية الدفاع عن الصيغة الوطنية التي تجمع سكان أرض معينة وفق نظام سياسي يساوي بينهم في الحقوق والواجبات، وعليه فإن الوحدة الوطنية نقيض للانتماءات ما قبل الوطنية، وكذلك مسألة تحرير التراب الوطني نقيض للاحتلال، مسألتان لا تشكلان سوى عنصرين من عناصر المسألة الوطنية في أية دولة في العالم، أما المسألة الوطنية برمتها فترتكز في الأصل على الأسس التي يصبح فيها السكان مواطنين أولا، وقبل المواطنة فليس ثمة معنى من الحديث عن الوحدة الوطنية أو تحرير التراب الوطني.

بهذا الفهم للمسألة الوطنية يمكن القول إن ثمة تلازما بين المسألتين الديمقراطية والوطنية، ذلك لأن الديمقراطية لا يمكن أن تبصر النور ما لم تقم على حقوق المواطنة، ولأن الديمقراطية لا يمكن أن تكون وسيلة لتنظيم السلطة في دولة معينة ما لم يتساو سكان هذه الدولة في الحقوق والواجبات، إلا أن هذا التساوي لا يأتي وليد تجاوز “ثقافي” عند عموم السكان للانتماءات ما قبل الوطنية، بل يأتي حصيلة عقد اجتماعي يقوم على أسس واضحة تكفل للجميع حقوقهم.

من هنا يمكن القول إن الفهم القاصر للمسألة الوطنية كان لعنة أضيفت إلى اللعنات التي حاقت بالسوريين منذ انتفضت شرائح منهم على النظام الحاكم، إذ وجد هؤلاء المنتفضون أنفسهم مطالبين بالدفاع عن وحدة سوريا واستقلال قرارها الوطني وحقها في استرداد أراضيها المحتلة دون أن يقال لهم كيف أصبحوا سوريين، ولماذا عليهم أن يدافعوا عن سوريتهم؟ هكذا بدا الانتماء الوطني بالنسبة لهم عائقا أمام تحصيل حقوقهم، فيما كانت نخبهم تغرق في تنظيرات أيديولوجية لا أول لها ولا آخر.

المسألة الوطنية السورية حاضرة دون شك في الصراع الدائر على الأرض السورية، حاضرة بوصفها تتعلق بالوحدة الوطنية وبالصراع مع إسرائيل، ولكنها حاضرة قبل كل ذلك في هشاشة الصيغة الوطنية السورية، وفي عقم الطروحات الأيديولوجية التي تربط هذه الصيغة تارة بالإسلام، وتارة بالعروبة، وتارة بالصراع مع المنظومة الرأسمالية العالمية، تربطها بكل قضايا العالم وتفشل في ربطها بنواتها المركزية، أعني حقوق السوريين والصيغة الملائمة لعيشهم معا.

ليست الدولة الوطنية وتاليا المسألة الوطنية في أية دولة سوى وسيلة لتحقيق حياة أفضل لسكان بلاد ما، وممر لصيغة يتم من خلالها اقتسام السلطة والثروة والاعتراف بالحقوق، وفي هذا السياق ليست الوحدة الوطنية في البلاد متعددة الطوائف والأعراق، وليست السيادة على كامل التراب الوطني، سوى بنود على جدول الأعمال الوطني حيث يكون الدفاع عن حقوق الأفراد في الحياة والخبز والحرية من أوكد الأولويات فيه، وفي الانتماء الديني والثقافي والسياسي أيضا.

كاتب سوري

9