سوريا لكل السوريين

الاثنين 2015/05/11

لا تكمن مشكلة الثورة السورية في تشرذم قوى المعارضة، السياسية والعسكرية، ولا في ضعف الإمكانيات والموارد الذاتية، ولا في غياب الدعم العربي والدولي المناسب لها في مواجهة جبروت النظام، فهي فوق كل ذلك تعاني، أيضا، من الاضطراب في تعريفها لذاتها، وفي توضيح مقاصدها.

عندما اندلعت هذه الثورة محمولة على مظاهرات الشباب، الذين كسروا الصورة النمطية عن السوري الخائف والخانع والمدجن، كان معناها غاية في الوضوح، يتمثل في الانتهاء من الفكرة المشينة عن “سوريا الأسد إلى الأبد”، واستعادة سوريا لكل السوريين، ما يضع البلد على عتبة التحول نحو دولة ديمقراطية.

بيد أن الرياح لا تجري كما تشتهي السفن، إذ أن تغول النظام ووحشيته في مواجهة السوريين، وفي قتل روح الثورة والتمرد عندهم وتشريده معظمهم، أديا إلى استنقاع الوضع السوري، ما نجم عنه الارتهان لقوى خارجية فرضت أجنداتها وأولوياتها على جماعات المعارضة السياسية والعسكرية. المهم أن كل ذلك، وضمنه ظهور جماعات محسوبة على “القاعدة”، ثم تنظيم “داعش”، أدى إلى أخذ هذه الثورة إلى غير المقاصد التي نشأت عليها. هذا لا يتعلق فقط بالدعوة إلى إقامة نظام “الخلافة”، على نحو ما تدعو إليه بعض الجماعات المحسوبة على الإسلام السياسي، فثمة جماعات أخرى ترى في الديمقراطية، وليس في العلمانية فقط، مجرد هرطقة. بمعنى أن هذه القوى لا تتحرك فقط من منطلق أيديولوجي أعمى أو جاهل، يرى العلمانية إلحادا، وإنما تنطلق أيضا، من موقف سياسي عدمي، في موقفها المعادي للديمقراطية، يروم تأبيد الاستبداد باستبدال نظام الأسد بنظام استبدادي آخر يتغطى بالدين، ما يضيع تضحيات السوريين التي بذلوها طوال الأعوام الماضية.

الآن، تستعد المعارضة السورية، السياسية والعسكرية والمدنية، لعقد اجتماع لمختلف تكويناتها في الرياض، المفترض به توحيد فصائلها وترتيب أوضاعها وتوضيح خطاباتها، وضمنه توجيه تطمينات للسوريين بمختلف أطيافهم، بشأن طبيعة سوريا المستقبل، النقيضة لسوريا الأسد، أو البديلة لنظام الاستبداد والفساد والاضطهاد.

مناسبة هذا الكلام التسريبات الجارية عن اشتراط الجماعات العسكرية المحسوبة على الإسلام السياسي، كأحرار الشام وجيش الإسلام وصقور الشام، تغيير الخطاب السياسي للائتلاف الوطني السوري، سيما المتعلق بالدولة المدنية الديمقراطية باعتبارها ذاتها الدولة العلمانية. ذلك أن الرضوخ لمثل هذه الشروط يمثل انتكاسة للثورة وحرفا لها عن مقاصدها التي ضحّى من أجلها ملايين السوريين، ناهيك عن أن هذه الجماعات تحاول احتكار تفسير الإسلام بينما هي تتماثل مع داعش والنصرة، بحيث يبدو الخلاف مع هذين على السيطرة فقط، وفي الشكل، لا في المبادئ. هذه الجماعات، وهي على هذا النحو، ستأخذ سوريا نحو أمراء الحرب، وربما نحو حروب أهلية ودينية وطائفية مستمرة. هذا مع العلم أن حركة الإخوان المسلمين في سوريا، لا ترى ما يراه هؤلاء كما ظهر في وثيقة العهد والميثاق (آذار 2013) المتضمنة قيام دولة مدنية ديمقراطية في سوريا يتساوى فيها المواطنون دون تمييز ديني ولا طائفي ولا إثني، مع أنها لا تبدو جادة في التأكيد على هذه المواقف.

من حق الجماعات العسكرية في المعارضة، بغض النظر عن محمولاتها الأيديولوجية، التمثل في هيئات الثورة السورية، وأصلا هي التي تمنّعت عن ذلك، لكن ماذا عن تمثيل أكثر من 300 ألف شهيد ومئات الألوف من الجرحى وملايين المشردين من السوريين؟

الثورة بحاجة إلى هيئة قيادية تمثل مختلف مكونات الشعب وقوى الثورة بمختلف توجهاتها، لكن دون أن يكون ذلك لحساب طرف على طرف آخر، ودون الإضرار بمقاصد الثورة، التي اندلعت من أجل إنهاء الاستبداد ومن أجل حرية السوريين وإقامة دولة المواطنين الأحرار المتساوين.

كاتب سياسي فلسطيني

9