سوريا: لماذا تأخرت الضربة العسكرية الأميركية؟

لدى الولايات المتحدة قوات عسكرية في سوريا بتكاليف قليلة وفاعلية عسكرية وسياسية كبيرة حيث تسيطر على أقل من نصف مساحة البلاد. ولكنها تفتقد لاستراتيجية شاملة ومترابطة.
السبت 2018/04/14
تـأخير الضربة العسكرية يعطي موسكو مزيدا من الوقت لسحب قواتها من المنشآت الحساسة

تأخرت الضربة العسكرية الأميركية للنظام السوري ردا على استخدام الأخير للسلاح الكيميائي ضد المعارضة في مدينة دوما الأسبوع الماضي. ومجددا بدا المشهد شبيها بما حدث في العام 2013 عندما توعدت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما نظام الأسد بضربة عسكرية، وحركت من أجلها البوارج الحربية وتهيأت، تماما، للحظة الهجوم ولكنها ماطلت لمدة أسبوعين، قبل أن يجري إلغاء الضربة بصورة مفاجئة. رغم هذا التشابه الكبير، تبدو أسباب تأخر الضربة اليوم مختلفة تماما عما كان في الماضي، كما أنها تبدو محتومة.

كان باراك أوباما معارضا لرفع وتيرة التدخل الأميركي في الشرق الأوسط. لقد قامت سياسته الخارجية على خطاب مناهض للتدخل الخارجي، وعلى تجنّب توريط الولايات المتحدة في مغامرات جديدة وهو ما جعله شديد الحذر في تعاطيه مع الملف السوري. هكذا، بحث أوباما في العام 2013 عن عذر يجنّبه القيام بأي عمل عسكري مهما كان محدودا، ضد النظام السوري. حينها، قرر الحصول على موافقة الكونغرس الأميركي، رغم أن صلاحياته كرئيس كانت تسمح له باتخاذ القرار بصورة منفردة. كان أوباما يأمل بألاّ يوافق الكونغرس ويعطيه الذريعة المنتظرة لإلغاء العمل العسكري.

ولكن الذريعة جاءت من الدبلوماسية الروسية التي نشطت بشكل مكثف وعرضت تخليص بشار الأسد من سلاحه الكيميائي مقابل إلغاء الضربة العسكرية. بدا ذلك مناسبا تماما لباراك أوباما حيث يؤكد الخط الأحمر الذي كان قد رسمه والمتمثل بمنع استخدام السلاح الكيميائي.

ففي نهاية المطاف، لم يكن الهدف من ضرب النظام السوري هو معاقبته على جريمة قتل نحو ألف وخمسمئة مدني في غضون دقائق، بل كان الهدف هو تثبيت الردع العالمي لاستخدام الكيميائي، وهو الردع الذي اتفقت عليه الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. تخلص النظام السوري من أسلحته الكيميائية، وبدوره تخلص باراك أوباما من خطاباته الرنانة التي استحضرت، على مدى أسبوعين، الدواعي الإنسانية للضربة العسكرية وضرورة حماية المدنيين. تمت الصفقة وسُمح لبشار لأسد بمواصلة الإبادة باستخدام كل أنواع الأسلحة التقليدية.

تأخر العمل العسكري الأميركي قد يكون مرتبطا بمراجعة سريعة للاستراتيجية الأميركية في سوريا والعراق. ما يتسبب في تأخير الضربة في هذه الحالة هو غياب تلك الاستراتيجية

تجنّب أوباما بذلك الدخول في حسابات التكلفة والمخاطر المترتبة على الضربة العسكرية. وتنبع المخاطر من التعقيد الذي يمكن أن تواجهه العملية العسكرية، وهو قد ما يضطر الولايات المتحدة لتدخل عسكري أكبر كانت ترفضه. الخطر الثاني بالطبع هو سقوط النظام السوري الذي كان يتهاوى بسرعة تحت ضربات المعارضة، وهو ما لم ترغب به الإدارة الأميركية في ظل تعدد فصائل المعارضة المسلحة وصعوبة تحديد فصيل عسكري قوي يخدم مصالحها.

تبدو المسألة مختلفة اليوم عند الحديث عن ضربة عسكرية أميركية. إذ باتت القوات الأميركية متواجدة في سوريا والعراق منذ العام 2014. كما انهارت فصائل المعارضة السورية المسلحة وفقدت زخمها وخسرت مساحات شاسعة من الأرض وتـوقفت جبهات القتال مع النظام السوري. هكذا لا تهدد أي ضربة عسكرية مهما بلغت قوتها بانهيار النظام السوري. وأخيراً، فإن استخـدام النظـام السوري للسـلاح الكيميائي بعد توجيه أميركا ضربة عسكرية محدودة للنظام في العام الماضي يمثل تحديا للإدارة الأميركية ويجعل الرد العسكري أمرا حتميا.

ما الذي يؤخر الضربة العسكرية إذن؟ لا بد أن التواجد العسكري الروسي في سوريا، وهو متغير كبير لم يكن في عهد باراك أوباما، يلعب دورا كبيرا في ذلك. تخشى واشنطن من أن تتسبب الضربات بمقتل عسكريين روس أو تدمير منشآت عسكرية وهو ما يهدد برفع وتيرة المواجهة بين البلدين لمستويات خطيرة. تـأخير الضربة العسكرية الأميركية يعطي موسكو مزيدا من الوقت لسحب قواتها من المنشآت الحساسة.

السبب الآخر مشابه لما ساد في زمن باراك أوباما وهو فتح قنوات مفاوضات سرية بين روسيا وأميركا بحيث تنتزع الولايات المتحدة ما تريد بأقل التكاليف. ولكن حتى لو نجحت تلك القنوات، هذه المرة، في تحقيق عائد مفيد للولايات المتحدة، فلا مفرّ من أن تقوم الأخيرة بضربة عسكرية مهما كانت متواضعة وذلك لمجرد حفظ ماء الوجه.

السبب الأخير في تأخر العمل العسكري الأميركي قد يكون مرتبطا بمراجعة سريعة للاستراتيجية الأميركية في سوريا والعراق. ما يتسبب في تأخير الضربة في هذه الحالة هو غياب تلك الاستراتيجية.

هنالك خطوط عريضة لاستراتيجية أميركية أفصح عنها وزير الخارجية السابق، ريكس تيليرسون، قبل نحو شهرين، وتتمثل بالحفاظ على التواجد الأميركي في شمال وشرق سوريا ودعم نظام حكم بديل يضغط باتجاه تسوية سياسية شاملة في البلاد. كان ذلك قبل أن يقوم دونالد ترامب بإقالة تيلرسون والإدلاء بتصريحات معاكسة تماما تؤكد عزمه على الانسحاب من سوريا في وقت سريع. يوضح هذا حجم التخبط في السياسة الخارجية الأميركية في سوريا، وهو ما نقل حالة التخبط لنقاشات التحضير للضربة العسكرية.

لدى الولايات المتحدة اليوم قوات عسكرية في سوريا بتكاليف قليلة جدا وفاعلية عسكرية وسياسية كبيرة حيث تسيطر على أقل بقليل من نصف مساحة البلاد. ولكنها تفتقد لاستراتيجية شاملة ولخطوات سياسية وعسكرية مترابطة. يمكن لإدارة ترامب استخدام الضربة الحالية لتعزيز ذلك الوجود والدفع باتجاه تسوية سياسية في سوريا. تبدو حظوظ هذا السيناريو قليلة للغاية، ولكن لا يمكن استبعادها تماما.

8