سوريا لن تكون إقليما تركيا

الثلاثاء 2014/11/04

شكّل وصول رجب طيب أردوغان لرئاسة الحكومة، ولاحقاً للرئاسة التركية، مرحلة جديدة في السياسية التركية، وتزامن ذلك مع الانتفاضات العربية، وقد تلاقت في بداية الانتفاضات السياسة التركية والأميركية في أن يلعب الإخوان المسلمون دوراً رئيسياً فيها، وهذا ما سيعزز الدور التركي فيها، ويفرض “عثمانية” جديدة، وسيعزز بدوره من الهيمنة الأميركية على المنطقة.

النظام القديم في تونس ومصر أثبت أنه عميقٌ، ولا يزال المسرح يعطيه أدواراً، وبدا أن الثورات العربية بعيدة عن الهوى الإسلامي، وتنشد حياةً أفضل في كافة شؤونها، وبالتالي هناك طرفان لا يتوافقان مع الميل الإسلامي، النظام القديم وأصحاب الثورة الحقيقيين. وإذا تنبهت أميركا لخطأ سياستها وابتعدت عن الإسلام السياسي، فإن تركيا لا تزال على عهدها القديم، هذا يعني أن هناك تقاربا أميركيا عربيا، وتباعدا تركيا عربيا.

تركيا كانت تريد علاقات مميزة في سوريا. حاولت مع النظام السوري قبل الثورة كي يقيم شراكة مع الإخوان المسلمين، ولاحقاً وبعد الثورة كي يعطي حريات واسعة وينقذ نفسه من السقوط، وستكون تركيا عرّاب هذا التحول كونها مسيطرة على إخوان سوريا، ولكنه رفض ذلك. فالنظام، وكما يشير كثير من المحللين، لا يخشى إلا أميركا، وهو مدعوم من روسيا وإيران. تركيا بالنسبة إليه، تستطيع إدارة الخلافات مع إسرائيل وأميركا، وهي بنوك لجزء من الأموال المسحوبة من لبنان بعد خروج الجيش السوري عام 2005.

السياسة التركية، ورغم سقوط الإخوان في مصر، وتعثر دورهم في الثورة في سوريا، لا تزال على موقفها، أي الاعتماد على الإخوان كحصان لتحقيق سيطرتها على المنطقة سياسياً واقتصادياً. خطط إسلاميو تركيا بعد فشلهم في الحوار مع النظام، لإيصال الإخوان إلى السلطة، وتحت هذا الاعتبار لعبوا دوراً رئيسياً في تشكيل المجلس الوطني السوري، ولاحقاً ضمن الائتلاف، وكان كل عمل المعارضة في تركيا يفترض دوراً مركزياً لتنظيمهم.

نقطة الضعف الأساسية في الموقف التركي من سوريا إعطاء الإخوان دوراً مركزياً فيه، ورهن موقفهم لهذا الاعتبار، فهم بذلك أصبحوا داعمين لحزب وليس لثورة، لتنظيم وليس لشعب، لأسلمة الثورة وليس لثورة شعبية، لفصائل فوضوية وليس لضباط منشقين وجيش وطني، ويتم احتجاز الضباط في معسكرات تركية وتحييدهم عن لعب دور مركزي في العمل العسكري، وكأن الحكومة التركية لا تثق بموالاتهم لها بعد سقوط النظام.

ما أفشلَ السياسة التركية إزاء سوريا، هو الموقف الضيق والرديء لها. لم تتخل عن ذلك، وها هي تُواجَه بحركة كردية ناشطة في سوريا وطامحة لما هو أبعد من حكم ذاتي، وباحتمال اندلاع مواجهات كردية أعنف في تركيا، وربما مواجهات طائفية “علوية” في الداخل التركي كذلك.

الشروط الأخيرة لتركيا للدخول في عمليات التحالف الدولي وربما قيامها بمعركة برية ضد داعش، هي دون شك تحقق المصلحة التركية، وتنهي وجود اللاجئين لديها وتمنع التواصل الكردي الكردي في سوريا وتركيا والعراق، وتسمح بتغيير النظام السوري.

إن أي انتهاء للحرب في سوريا دون زوال النظام ودون تحقيق الشروط المذكورة، سيعني أن تركيا ستكون الخاسر الأكبر فيها. فهي تتشدد لهذا الاعتبار، وتعرف أن هذا التحالف لن ينهي أهدافه إلا بتغيير النظام السوري، ولكن ذلك قد لا يكون وفق المخطط التركي وقد يخلق لها مشكلات قومية، كأن يسمح للكرد بتشكيل حكم ذاتي في سوريا.

تركيا لم تفهم بعد أن المعارضة التي دجنتها وصنعتها، لا يمكن أن تمثل الثورة ولا سوريا، فهي راكمت فشلاً إثر آخر طيلة أربعة أعوام، وسقط المجلس الوطني ويبدو أن الائتلاف بطور السقوط. إذن هي بذلك تُفشل شروطها ودورها المستقبلي. ونضيف بأن الأميركان ليسوا حمقى، والسعوديون والإماراتيون لديهم خططهم للمنطقة والرافضة لدور إقليمي أكبر لإيران ولتركيا كذلك، وكذلك المصريون أيضاً؛ جميعهم يعرفون المخفي والمعلن في السياسة التركية، ولذلك لا يوافقون على الشروط التركية ولكنهم يخففون من النقد العلني الإعلامي لها، ويتوافقون مع السياسة الأميركية الكامنة خلف التحالف الدولي، والتي تهدف إلى ترتيب شؤون الحكم في كامل المنطقة، ومنها تغيير النظام السوري نفسه.

ينقذ تركيا والمعارضة السورية تشكيل رؤية وطنية للثورة، وإبعاد الإخوان المسلمين عن أن يكونوا لهم دور في رؤيتها، والسماح للقوى الثورية السورية، ومنها الضباط المنشقون بتشكيل هذه الرؤية؛ أما البقاء على تهميش هذه القوى، ودعم الجهادية وحتى داعش، سيعيق أي علاقات سليمة في المستقبل، وأي تقدم في المشاورات بين أعضاء التحالف الدولي بخصوص ترتيبات المنطقة، والموقف من داعش والأكرد ومستقبل السلطة في سوريا.

المعارضة العاجزة لا تمتلك من أمرها الكثير، وهي ضعيفة وهزيلة، وما تجنيس بعض قيادات الائتلاف الوطني والمجلس الوطني منذ شهر تقريباً، إلا تعبيراً عن ذلك وضغطاً تركياً لا يخفى لمن يقرأ السياسة جيداً. التحالف المشكل دولياً والمشاورات بشأن أهدافه بين دول التحالف ودول المنطقة، يستدعي قيادة ثورية جديدة تُحدد العلاقات مع الدول المحيطة ومع التحالف، بما يخدم الوطنية السورية، وهذا ما سيخدم الثورة وتركيا ويوضح لها أنها دولة جارة لسوريا، وليس أكثر من ذلك.

دون ذلك سيبقى النظام يلعب بأوراق كثيرة، تبدأ باحتكار الوطنية مروراً بتوظيف الطائفية، وربما يعطى أدواراً أكبر في مخططات التحالف الدولي ضد داعش، أو لن تتخلى أميركا وليس روسيا فقط في أي حل سياسي قادم، وطبعاً بعد استبعاد شخصيات رئيسية فيه.


كاتب سوري

9