سوريا ليست ليبيا ودمشق ليست بغداد

الاثنين 2013/10/28

لا يخفي بعض نشطاء المعارضة السورية مخاوفهم من أن يكون جنيف2 خطوة حاسمة في طريق وضعهم على الرف، وسحب الاعتراف بهم كونهم ممثلي الشعب السوري في الخارج والناطقين باسمه في المحافل الدولية. أحد ما منهم لم يقل ذلك صراحة، وهو أمر طبيعي.

لقد صار ذلك البعض يتحجج بأن ذلك المؤتمر الدولي سيكون محاولة لإعادة إنتاج نظام الأسد، وبالأخص إن ظلَ الرئيس السوري سيكون مهيمنا على المؤتمر، لا من خلال حضور ممثلي نظامه فحسب، بل وأيضا من خلال حضور الكثير من الشخصيات السورية والتي لا يشكك أحد بمعارضتها الخالصة التي لا تطالب بتنحية الأسد ولا تعتبر معارضتها موجهة إليه شخصيا.

من جهة أخرى فإن المعادلات على الأرض لم يعد مؤشر ميزانها يتحرك لصالح تلك القوى، التي راهن معظمها على الضربة العسكرية الأميركية للقضاء على النظام، فخسر جزءا من سمعته الوطنية من غير أن يقطف ثمار تلك الضربة التي لم تقع. فكانت أن تبخرت آماله وفقد جزءا عزيزا من مصداقيته في الداخل السوري.

بات أولئك النشطاء في حيرة من أمرهم، وهم يلمسون إصراراً دولياً على عقد ذلك اللقاء الذي سيكون مصيريا ومفصليا كما يخطط له وبضمانات دولية. وهو ما يعني أن الحرب في سوريا لن تجر إلى فوضى شبيهة بتلك التي تلت احتلال العراق أو قصف ليبيا جوا وإسقاط نظامها.

وإذا ما تعلق الأمر بشخصيات سورية معارضة بعينها، يمكنني القول إنه لم تعد صورة المعارض الفاتح ممكنة في سوريا. وهو ما صار المعارضون السوريون يعرفونه جيداً، ويدركون تأثيره على مستوى مشاركتهم في حكم سوريا في المستقبل.

هذه المرة لن تكون هناك بدلات جاهزة. أو على الأقل ستكون تلك البدلات فضفاضة، وستكون سوريا في منأى عن استقبال اشخاص شبيهين بأولئك الذين استقبلتهم بغداد قبل أكثر من عشر سنوات.

قد تكون دمشق محظوظة. فرغم كل هذا الشقاء الذي تعيشه فإنها لن تنتهي إلى ما انتهت إليه بغداد أو طرابلس.

المعارضون الخائفون من جنيف2 يعرفون جيداً أن النظام لن يبقى، ذلك لأن خطة رحيله جاهزة، غير أنه لن يرحل ويأخذ الدولة معه. اعتقد أن واحدة من أهم فقرات الاتفاق السوري- الأميركي تنص على ضرورة الحفاظ على الدولة السورية، لكي تسهل بعد ذلك عملية إعادة هيكلتها من الداخل.

أما الحديث عن إعادة إنتاج النظام فهو عبارة عن كذبة يسعى إلى تسويقها بعض المعارضين الذين صاروا يشعرون اليوم أن الكراسي لن تكون جاهزة لاستقبالهم في دمشق مثلما حدث لأشباههم الذين سبقوهم إلى بغداد.

سيسقط النظام حتما، لكن ليس بالمعنى الذي يؤدي إلى سقوط الدولة وتلاشيها.

لا أحد يفكر في مكافأة بشار الأسد على أخطائه التي تحولت إلى جرائم بشعة بعد أن أدت إلى سقوط مئات الألاف من القتلى والجرحى والمعاقين، وهجرت الملايين بين الداخل والخارج ودمرت المدن السورية وسمحت للحاقدين على سوريا في أن يملئوا بلاد الياسمين بعفونة مرتزقتهم.

من الطبيعي أن لا يكون لبشار الأسد ولا لنظامه مكان في مستقبل سوريا. ما من عاقل يمكنه أن يصدق أن الولايات المتحدة تخلت نهائيا عن شرط رحيل الأسد في مقابل إغراء نزع السلاح الكيماوي السوري.

ساسة أميركا ليسوا بلهاء، كما يحاول بعض المعارضين السوريين أن يصوروهم.

يعرف أولئك الساسة جيدا أن إضافة دولة فاشلة جديدة إلى المنطقة لن يكون نافعا لأحد ولن يكون في مصلحة اسرائيل. ومهما قيل عن علاقة التنظيمات الإسلاموية بأجهزة المخابرات الغربية، فلن يكون مريحا لإسرائيل أن تكون جارتها سوريا ملاذاً آمناً لتنظيم القاعدة ولا لسواها من الحركات الجهادية المسلحة. مشكلة معارضي جنيف أنهم لم يحتاطوا لكل الاحتمالات.

فمثلما جلب خضوعهم لقطر جبهة النصرة وداعش وسواهما من التنظيمات الإرهابية التي صاروا يدافعون عنها اضطرارا، فإن عدم وقوع الضربة الأميركية التي كانوا يراهنون عليها قد أغلق أمامهم أبواب سوريا.

سوريا ليست ليبيا ودمشق ليست بغداد.


كاتب عراقي

8