سوريا.. ماذا بعد التهجير

الخميس 2017/04/06

منذ فترة ليست بالقصيرة تجاوز مشروع تهجير السكان الأصليين في سوريا من مناطق سكناهم إلى مناطق أخرى فكرة معاقبة الثورة، وتحول إلى مشروع قائم بذاته يهيئ الأجواء ليكون التقسيم واقعا، وعلى الجميع القبول به، لكونه أولا سيحقق وقفاً دائما لإطلاق النار، وإنهاء لحالة الاقتتال المتواصلة منذ سنوات، وثانيا فهو الحل الوحيد الذي سيجنب “الإخوة الأعداء” مشقة الخوض في مفاوضات يعلمون جيدا أن لا طائل منها، وهي لن تؤدي إلى نتائج يتوافقون عليها، حتى لو وصل عدد “جنيفاتها” إلى خمسين، فلا نظام دمشق سيقبل أن يتنازل ببساطة عن السلطة، ولا المعارضة تستطيع أن توافق على فكرة الاستسلام له والخضوع لمشيئته، وعودة الأمور “إلى مجاريها”.

فكلاهما، النظام والمعارضة، رفعا في أوقات سابقة سقوف مطالبهما، ولم يعد التنازل عن تلك المطالب في مقدورهما، فليس نظام دمشق حريصاً على ما تبقى من سوريا، مهما ادعى من وطنية وإلى ما هنالك من شعارات جوفاء، وليست المعارضة قادرة على التخلي عن ثورة أزهقت في سبيلها أرواح المئات من الألوف السوريين.

نظام دمشق ومن يقف خلفه بدأوا الأمر باعتباره كفيلا بتجفيف منابع الثورة، وجعلها مقطعة الأوصال، وغير قادرة على التأثير على المدى الطويل، وقد تيّسر لهم الأمر بعد أن تفرقت الفصائل الثورية، ودخلت على خطوطها ميليشيات جهادية استولت على الثورة وخنقتها بتطرفها وبمشاريعها التي تتنافى أصلا مع كل ما يمت إلى العقل بصلة، فالعزف على وتر دولة إسلامية، ليس حلما داعشيا لكنه حلم يداعب خيالات الكثيرين ممن يناصبون داعش العداء ظاهريا بسبب “مغالاتها” حسب وصفهم، لكنهم في الحقيقة يتفقون معها، في أنه لا بد من عودة “أمجاد” الأمة الإسلامية.

وهم أيضا مارسوا تهجيرا وترحيلا لمن لا يتفق معهم في الرأي، وقد استوطن مجاهدوهم، الذين جاؤوا من بقاع مختلفة، في بيوت سوريين هجروها، تماما كما تقوم عناصر الميليشيات الطائفية الموالية لإيران بالاستيلاء على البيوت التي هجرها أصحابها، بل إن الأمر لم يعد يقتصر على بيوت فقط، وتجاوزه لتصير مدن بأكملها رهينة في أيدي تلك الميليشيات كما حدث في مدينة داريا في ريف دمشق، ومن قبلها في مدينة القصير التي يتباهى حزب الله اللبناني باستعراض قوته فيها، فقد صار استيطانه فيها أمرا واقعا ولا يمكن المجادلة فيه، وقد يكون مصير حي الوعر الحمصي الذي أخلي مؤخرا من سكانه الأصليين شبيهاً بمصير من سبقه.

خطة التهجير المنظم هذه لا يمكن أن تكون صادرة عن نظام دمشق، خاصة وأنه، وكما قال ذلك مسؤولون إيرانيون كبار، ليس سوى جندي في جيش المرشد، وعليه فالخطة بمجملها إيرانية، حدثت من قبل في العراق، غداة احتلاله من قبل القوات الأميركية، ونصبت جدرانا إسمنتية في بغداد تفصل شيعتها عن سنتها، ولاحقا فرّ سنة العراق الذين صاروا مستهدفين على الهوية وقد أعملت فيهم ميليشيات إيران الطائفية سكاكينها، وهذا تاريخ قريب لا يمكن نسيانه، مهما حاول ساسة بغداد تجميله بدافع الخوف، أو بدافع الولاء المطلق الذي لا تشوبه شائبة لعمامة المرشد الإيراني.

وفي ما بعد ساهم تنظيم داعش، الذي تؤكد جميع المعطيات والشهادات الموثقة لمنشقين عنه، أو لخبراء دوليين على أنه صناعة إيرانية، في تهجير من تبقى من ساكني الأنبار وسواها من المحافظات التي اجتاحها، ثم أتت إيران عبر حشدها الشعبي لتطرده منها، وقد وثقت تقارير دولية ذلك التهجير، وحذرت منه باعتباره “تغييرا ديموغرافيا” خطيرا، لكن الأمر لم يتجاوز حدود هذا التحذير، بل إن المنظمات الدولية كانت شاهدة على الكثير من عمليات التهجير التي حدثت في سوريا، فتولت إحصاء المهجرين ووفرت لهم في مرات قليلة رعاية طبية أو مساعدات طارئة.

الأمر إذن يجري وفق مخطط وليس أمرا عشوائيا، ومع احتمال أن تتحول محافظة إدلب وريفها إلى دويلة مصغرة لسوريا المتمردة، لكون معظم أولئك المهجرين حلوا “ضيوفا” دائمين عليها، طالما أنه لا حل في الأفق، فإنه في المقابل باتت ملامح دويلة “سوريا المفيدة” التي تريدها إيران، وتدعم روسيا إنشاءها، واضحة كما صرح بذلك وزير الخارجية البريطاني السابق فيليب هاموند في فبراير من العام الماضي، فإن دويلة أخرى لم ترتسم حدودها بعدُ مازالت بانتظار انجلاء غبار معارك طرد تنظيم داعش من الرقة وسواها من المناطق التي يحتلها، وهي معركة باتت وشيكة كما تؤكد ذلك قيادات العمليات المختلفة التي تشارك في الحرب على التنظيم الإرهابي.

المشهد المأساوي لسوريا بعد أكثر من ست سنوات من ثورة كانت تسعى إلى الحرية، يعيدنا إلى شعار رفعه ومازال يرفعه مناصرو الأسد، فإما “الأسد أو نحرق البلد” كما يهتفون ويكتبون على جدران المدن التي يهجرون ساكنيها. وإذا كانت اتفاقية سايكس بيكو سببا في تمزيق المنطقة، فإن ملامح اتفاقية جديدة تلوح في الأفق ولا نعرف من هم الأشخاص الذين ستحمل أسماءهم هذه المرة.

كاتب سوري

9