سوريا.. ما بعد الضربة الأميركية على نظام الأسد

محللون يؤكدون أن أي ضربة عسكرية أميركية على سوريا هي محدودة للحفاظ على النظام، الذي سيتحول قريبا إلى عبء لا تستطيع روسيا تحمله بمفردها.
الأربعاء 2018/04/11
لا نملك رفاهية التوسع العسكري في سوريا

لندن- يستعد العالم لتلقي أنباء عن ضربة عسكرية غربية محتملة على مواقع تابعة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، لكنها ستكون في الواقع ضربة موجّهة ضد روسيا أكثر من سوريا. وينتهز الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، فرصة وقوع هجوم باستخدام الأسلحة الكيمياوية على مدينة دوما في غوطة دمشق الشرقية راح ضحيته العشرات، لإجبار روسيا على التراجع، في ما يشبه موجات متتابعة من العقاب الجيوستراتيجي المكثف.

لكن في الوقت نفسه يتوقف حجم الضربة العسكرية على مدى رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تأجيل خروج قوات الأميركية من سوريا. ويقول دبلوماسيون سابقون إن ترامب يدرك أن توسيع نطاق الضربة العسكرية من الممكن أن يجر الولايات المتحدة أكثر في الصراع، بدلا من أن يقود إلى سحب القوات في أسرع وقت كما يريد الرئيس.

 

أعلن رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب أن حلفاء النظام السوري يتحمّلون “مسؤولية خاصة” عن الهجوم الكيمياوي في دوما، وتوافقه الرأي واشنطن وبقية المسؤولين الأوروبيين. وفي المقابل يرد أنصار الرئيس السوري بشار الأسد، مذكّرين بمصير الرئيس العراقي صدام حسين والزعيم الليبي معمر القذافي، وكيف كانت الأسلحة الكيمياوية ورقة لمعاقبتهما. لكن الواقع في سوريا يشير إلى عكس ذلك تماما، والإدانة الدولية الأخيرة والتصعيد بسبب الهجوم الكيمياوي لم يعطيا أي مؤشر على أن واشنطن وحلفاءها، سيقدمون على تدخل عسكري بذات مواصفات التدخل في العراق وليبيا، بل بالعكس، إن هزيمة النظام هذه المرة لن تكون باستهدافه بشكل مباشر بل باستهداف حلفائه وإضعافهم، لأن النظام السوري هو الحلقة الأضعف في هذه الدائرة

يقول إيميل حكيم، الباحث في المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية، إن “أي ضربة عسكرية هي ضيقة وترضي الذات الغربية، لكن طالما لا توجد مقاربة أكبر أو استراتيجية أوسع للصراع برمته، من الممكن أن تقود إلى التصعيد من دون أن يكون هناك هدف محدد نسعى للوصول إليه.”

وغياب الهدف يجعل أي تدخل أميركي أو فرنسي بالمستقبل متأخرا جدا. ورغم ذلك يكاد يكون التفكير في روسيا بعيدا جدا عما يتوقعه الأميركيون، إذ بدأ الروس يقتنعون بأن أي انسحاب أميركي من سوريا الآن لن يصب في مصلحة روسيا أولا.

إذا انسحبت القوات الأميركية من مناطق شرق الفرات، والشمال الشرقي وشرق سوريا، فمن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى عودة سريعة للمتشددين، سواء تحت مسمى داعش أو أي اسم آخر. ويخشى مسؤولون في أجهزة استخبارات عربية من أن تكون إحدى القوى الكبرى مساهمة في إعادة ظهور فصائل جهادية تعمل بطريقة مختلفة عن داعش، لتأخير عودة الثغرة التي سيسعى الروس إلى ملئها بعد انسحاب الأميركيين، إلى الاستقرار مرة أخرى.

وقالت مصادر أمنية لـ”العرب” إن “داعش 2.0 من الممكن أن يتكون من مجموعات صغيرة، تتخذ لنفسها شخصية مغايرة لطابع الجيوش الذي كان يتبناه التنظيم، وتعمل ضمن نطاق أصغر، بطريقة ‘اضرب وأهرب”. وأضافت المصادر أن “هذه الطريقة تتطلب العمل تحت الأرض، وسيكون الأكراد عاجزين عن التعامل معها.”

والقوات الكردية، التي تشكل العمود الفقري من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتحظى بدعم أميركي، ستكون أولى ضحايا أي انسحاب أميركي محتمل، وهو ما سيدفعها لتبني خيار واحد، وهو عقد اتفاق مع الروس كي يتحولوا بدورهم إلى الرعاة الجدد.

ويصب ذلك في مصلحة الأتراك، الذين يبحثون عن قوة بديلة للولايات المتحدة، تكون قادرة على احتواء المشروع القومي الكردي على الحدود مع تركيا، ومستعدة في الوقت نفسه لوضع رؤية تركيا في الاعتبار. لكن لا توجد فائدة كبيرة من الممكن أن تعود على روسيا جراء أي انسحاب أميركي، سوى كسب المزيد من الأرض لصالح نظام الأسد.

ويدرك محللون روس وخبراء عسكريون أن روسيا لا تملك الأرض في الحرب الدائرة منذ أكثر من سبعة أعوام في سوريا. وتتحكم في الجغرافيا السورية قوات الجيش السوري وميليشيات حزب الله اللبناني وقوات إيرانية تابعة للحرس الثوري، بالإضافة إلى ميليشيات رديفة تتكون من مقاتلين شيعة قدموا من أفغانستان وباكستان والعراق. وتدين أغلب هذه القوات العاملة على الأرض بالولاء لطهران.

ولم يتبق لروسيا سوى التحكم في الأجواء فقط. ويقول خبراء روس إن هذه المعادلة تجعل إيران القوة الأكثر استعدادا لملء الفراغ الجيوسياسي الذي قد تتركه القوات الأميركية، في حال نفذ ترامب تهديده بالانسحاب.

ورغم إظهار فرنسا عزما على إعادة التموضع في الصراع السوري، منذ أن تولى الرئيس إيمانويل ماكرون الحكم في مايو من العام الماضي، لكن يبدو أن فرنسا ستظل غير قادرة على التحرك بشكل منفرد في سوريا إذا ما أزيلت مظلة التحالف الدولي، التي تعمل وفقا لديناميكيتها.

وفي هذه الحالة ستكون مسألة وقت فقط قبل أن تكسب إيران اليد العليا في تقرير مصير سوريا، ونظام الأسد معا. ويخشى الروس من حدوث هذا السيناريو، في وقت يخوضون فيه صراعا صامتا على حصص ما بعد انتهاء الحرب مع الإيرانيين، خصوصا في سباق الاستحواذ على عقود اقتصادية للاستثمار في قطاعي النفط والغاز.

ويقول مسؤولون سابقون في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إن الروس يدركون أنهم لو تمكنوا من السيطرة على منابع الطاقة التي تقع تحت سيطرة القوات الأميركي اليوم، فإن ذلك لن يساوي شيئا أمام مسؤوليات إعادة الإعمار التي تنتظرهم في اليوم التالي من انتهاء الحرب.

وأضافوا “هذه لحظة الحقيقة بالنسبة للروس، الذين استثمروا كثيرا في دعم نظام الأسد، دون التحسب لهذا اليوم الذي قد يتحملون فيه كلفة إعادة بناء البلد بمفردهم. في النهاية، لماذا سيكون على الغرب تحمل كلفة إصلاح ما دمره الروس بطائراتهم في سوريا؟”. لكن هذا الواقع الجديد لم يعد يتعارض مع سياسة الولايات المتحدة، التي تعتمد على أقل قدر من التدخل، في بلد لم تنظر له واشنطن باعتباره مهما لمصالحها الاستراتيجية في يوم من الأيام.

تسبب إعلان نية ترامب الانسحاب من سوريا في إضعاف أي تأثير لضربة أميركية على قواعد النظام من قبل أن تحدث. ويقول فيصل عيتاني، الباحث في المجلس الأطلسي بواشنطن، إن “رئيسا يقول إنه يريد أن يركض إلى خارج سوريا ليس في موضع تهديد التقدم العسكري الذي يحرزه النظام كل يوم. لو كان الأسد نجح في وضعنا في الزاوية التي كل ما نستطيع أن نفعله منها هو إلقاء عدد من الصواريخ عليه، فلن يغير ذلك من الصورة إطلاقا”. ودفع ذلك دوائر صنع القرار الأميركي إلى تبني سياسة أميركية تعتمد على بقاء الأسد في المستقبل، في ظل تأكد اعتماد روسيا وإيران وتركيا على الحل العسكري بدلا من أي تفاهمات سياسية كان الغرب يعول عليها في الماضي.

إغراق الروس في مستنقع كان يتم خلال الحرب الباردة عبر الطرق العسكرية، لكن اليوم هناك اتجاه لإغراقهم اقتصاديا

ويحمل هذا الحل العسكري تناقضات مع اتفاقات أستانة لتبني مناطق خفض للتصعيد في سوريا، لكن على ما يبدو فإن القوى الثلاث قررت تخطي هذه الاتفاقات، عبر ضرب الغوطة الشرقية وترحيل فصائل جيش الإسلام وفيلق الرحمن وأحرار الشام منها، رغم أنها تندرج ضمن مناطق خفض التصعيد.

وقد يُتيح انتصار الأسد الفرصة أمام الولايات المتحدة من أجل حصار موسكو، حيث أن موسكو هي من دعمت وساعدت على بقاء حكومة الأسد، وهي أيضا من ستصبح المسؤولة أمام المجتمع الدولي في حال حدوث أي مشكلات من الجانب السوري.

وفي ظل الاقتصاد السوري الذي تم تدميره بالكامل، وقطاعه الصحي الذي أصبح في حالة يرثى لها، والحالة المتردية التي وصلت إليها كدولة مستقلة، لا تعتبر سوريا حليفا مثاليا للروس.

وستحتاج دمشق إلى ما يقرب من 200 مليار دولار على الأقل لإعادة بناء المنازل والمستشفيات والمصانع والمزارع التي دُمرت في الحرب. وسيتحمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يُشرف على هذا الاقتصاد المتهالك، دفع الكثير من هذه الأموال إذا رفضت الولايات المتحدة ودول أوروبا المساعدة في إعادة إعمار سوريا من جديد.

ويقول محللون في واشنطن إن “إغراق الروس في مستنقع كان يتم خلال الحرب الباردة عبر الطرق العسكرية، كأفغانستان مثلا، لكن اليوم هناك اتجاه لإغراقهم اقتصاديا عبر دفعهم لتحمل كلفة الصراع وحدهم، لذلك فإن أي ضربة عسكرية أميركية هي محدودة للحفاظ على النظام، الذي سيتحول قريبا إلى عبء لا تستطيع روسيا تحمله بمفردها.”

ويريد ترامب بيع هذه الفكرة لأنصاره من الناخبين المحافظين تقليديا، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، التي يخشى ترامب أن تنهي حيازة الجمهوريين للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وتأتي بدلا من ذلك بأغلبية ديمقراطية تشكل ضغطا كبيرا على إدارته.

7