سوريا.. مسلسل سياسي ثمنه دماء

الثلاثاء 2017/08/29

رغم إدراك العالم أن لا حل عسكريا لإنهاء الصراع في سوريا، وأن الحل السياسي ووقف إطلاق النار وتطبيق هدنة إنسانية شاملة هي مفاتيح إنهاء حالة القتل والتشريد التي طالت السوريين، إلا أن مسلسل الحلول السياسية مازال يبث حلقاته الواحدة تلو الأخرى متجاهلا أن السوريين الغارقين بموتهم، والواقعين تحت سطوة صنوف الحرب المتعددة، لا يهمهم عدد الاجتماعات والمؤتمرات ومكان انعقادها، ولا يحفظون أسماء المفاوضين من الطرفين، فالسوريون ينتظرون نتائج ملموسة لإنهاء حالة الحرب بكافة تجلياتها.

منذ مؤتمر جنيف الأول في 30 يونيو 2012 والذي أعلن في نهايته عن بيان جنيف، لم تلحظ المؤتمرات متغيرات تذكر إلا في الآونة الأخيرة، فبيان جنيف الأول وما تضمنه حول “إقامة هيئة حكم انتقالية تُشكّل على أساس الموافقة المتبادلة بين أعضاء الحكومة والمعارضة والمجموعات الأخرى وتمارس كامل السلطات التنفيذية”، شكل خطوة في طريق إنهاء الحرب لكونه الوثيقة السياسية الوحيدة التي حظيت بتوافق دولي وإقليمي وموافقة مجلس الأمن، واستبشر به السوريون خيرا كـ“القشة التي يتمسك بها الغريق”، لكن هذا التوافق لم يلزم أحدا بإنهاء الحرب، وهذه القشة لم تنقذ السوريين من مراوغات السياسة الساعية لتحقيق مصالح دول أخرى على حساب مصالحهم ومصلحة دولتهم، فأتى مؤتمرا جنيف 2 و3 لإظهار تباين المواقف، واختلاف المصالح بين القوى الدولية والإقليمية المتمحورة حول مصير رئيس النظام السوري والذي مازال مخيما على كافة المباحثات التي تعنى بالشأن السوري والمستمرة حتى الآن.

رغم أن مؤتمر جنيف 4 الذي عقد في 23 فبراير 2017 حمل بعض المتغيرات في ما قدمه المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا في مبادرة “السلال الأربع” المتمثلة في الحكم الانتقالي والدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب، إلا أن هذه السلال التي تضمنت مواعيد لمباشرتها لم يتم جني ثمارها في جنيف 5 أو جنيف 6، فالنظام السوري لم يقبل بمناقشة سوى سلة الإرهاب، لتبقى السلال محمولة إلى جنيف 7 التي انتهت كما سابقاتها بانتظار المقاربات الممكنة بين وفد النظام ووفد المعارضة، وإعداد الوثائق اللازمة لسوريا المستقبل.

على مسار مواز لمؤتمر جنيف انطلقت مشاورات أستانة في بداية 2017 التي أخذت منحى جديدا عن مشاورات جنيف بحضور الفصائل المسلحة، وأسفرت جولتها الرابعة في مايو 2017 عن جملة هدن، وإقرار مناطق لخفض التصعيد برعاية روسيا وتركيا وإيران، لتكون أستانة 5 محاولة لترسيم حدود هذه المناطق بعد انضمام أميركا والأردن، لكن هذه “الأستانات” بحلولها الملغومة لم تستطع دفع المعارضة إلى قبول إيران راعيا لأي هدنة، ناهيك أن الهدن وحدها ليست قادرة على إحلال السلام في سوريا.

وسط زخم المؤتمرات بين جنيف وأستانة كانت تثار قضية تمثيل المعارضة السورية كقضية مفصلية تعادل بأهميتها المسألة السورية، وتحولت أطياف المعارضة إلى منصات متناثرة حسب العواصم الراعية لهم (القاهرة وموسكو والرياض وبيروت)، ليباشروا جولاتهم التشاورية، فتوافقوا على الخطوط العريضة كالحفاظ على وحدة سوريا، واتخاذ القرارات الدولية مرجعية للتفاوض، وبقيت خلافاتهم حول المرحلة الانتقالية وشروط تشكيلها وتنفيذها على حالها، تنتقل من مؤتمر إلى آخر وتسجل الفشل تلو الآخر، والذي كان آخرها فشل مؤتمر الرياض الذي عقد في 23 من الشهر الجاري للتوصل بين منصات المعارضة إلى وفد موحّد له رؤية موحدة للأزمة السورية كي يفاوض النظام السوري في جنيف، والذي جرى تحميل فشله إلى منصة موسكو التي لم تقبل نقاش رحيل الرئيس السوري. فأصحاب المنصات لم يهتموا بالوضع الكارثي للسوريين، بقدر اهتمامهم بما تريده عاصمة المنصة والانتصار لها.

ما سجلته الحرب التي دخلت عامها السابع من أرقام مرعبة في أعداد الضحايا الذين بلغوا 470 ألف قتيل، و2.8 مليون سوري يعانون إعاقات دائمة، و11 مليون سوري شرّدوا خارج بيوتهم، جعل الرغبة في إنهاء هذه السنوات العجاف والالتفات نحو تحقيق سلام عادل حقا من حقوق السوريين طالما كان مغيّبا، كما جعل من إطلاق أي لقاء تفاوضي لا يساهم في نهاية المأساة عبثا سياسيا ومماطلة لن يجلبا سوى فائض من الألم للسوريين الذين بات وقتهم من دماء.

كاتبة سورية

9