سوريا.. مشاريع الإدارة الذاتية وعلامات الإفلاس

السبت 2017/07/29

شكّلت الانتفـاضة السورية لحظـة تاريخية فاصلة سلطت الضوء على خطوط التصدع التي تقسم السوريين، وعلى القضايا التي ستشكل سبب الصراع المقبل حول إعادة توزيع السلطة والموارد، ومستقبل الخارطة السياسية والجغرافية لسوريا.

بعد أن سال الدم السوري وتبلورت الانقسامات العميقة بين السوريين، توالدت مراكز جغرافية للسلطة لها أنظمة حكم متباينة.

فالمناطق التي يسيطر عليها النظام وتمثل الجزء الأكبر من سوريا وفيها حوالي ثلثي السكان المتنوعين طائفياً وإثنياً ما زال حكم ما قبل الحرب قائماً إلى حدّ كبير. أما المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام فاعتمدت فيها الإدارات الذاتية على مؤسسات بديلة للتعليم والأمن والخدمات الأساسية، كما في منطقة المعارضة إدلب ومنطقة الأكراد روج أفا، مع اختلاف طريقة الإدارة وتطبيقها.

وقد شكّل هذا الانقسام السوري حافزا لانتعاش الأطروحات الداعية إلى تطبيق اللامركزية في إدارة الحكم والأرض والمجتمع بما يناسب طبيعة البلاد، والتي تواكب توجهات القوى الكبرى لتثبيت الخرائط الإدارية الناشئة بفعل الحرب، وتعزيز مكتسبات كل الأطراف ضمن القطاعات المنبثقة عن الدولة السـورية، والتي لاقت ردود فعل متباينة في الشارع السوري، كونها تمثل بداية لتشكيل كيانات فدرالية تتيح الانفصال لاحقا، إلا أن الاستنكار الكبير والضجة العالية كان من نصيب الوثائق السورية التي تؤيد هذه الأطروحات وتقسّم سوريا لأقاليم لها دساتيرها.

معظم السوريين يظهرون تعلقهم بالتاريخ المشترك وتمسكهم بالجغرافية السورية، وينشدون دولة جامعة تؤدي وظائفها بشكل مناسب لجميع السوريين، ويرفضون المشاريع الساعية لتقسيم بلدهم متجاوزين خطوط الحرب والدماء

بتاريخ غرة مايو 2017 وقّعت شخصيات من جنـوب سوريا، تقيم حـاليا في اسطنبول، على ما يسمى “وثيقة عهد حوران” التي تضم مناطق درعا والسويداء والقنيطرة في جنوب سوريا، وتتحدث الوثيقة عن مشروع إدارة محلية لا مركزية في محافظة درعا، لكنها كانت أقرب في لهجتها إلى دستور جديـد لإقليم مستقل “إقليم حوران الجنوبي”، حيث توصف الوثيقة السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتضع قواعد لتنظيم الجانب الإداري والإعلامي والتعليمي والثقافي والديني، وتتضمن تفصيلات قانونية تتعلق بالملكية العامة والأحـوال الشخصية والحريات العامة وقضايا الحدود الإدارية للمنطقة.

وثيقة عهد حوران التي رحب بها مركز الأبحاث الإسرائيلي “يروشليم لدراسة المجتمع والدولة” باعتبارها “تمثل تطورا يصب بشكل غير مباشر في مصلحة إسرائيل”، لاقت على الصعيد السوري الكثير من الاحتجاجات، وتحديدا في الجنوب كونه المعني الأول بها.

فالوثيقة تناولت منطقة حوران كإقليم جغرافي، وأهالي حوران كشعب، ووضع عبارة “الجمهورية العربية السورية” عليها لم يكن كافيا لطمأنة السوريين وإخفاء سعيها نحو الحكم الذاتي والانفصال كسياسة أمر واقع، وتم اعتبارها من قبل الكثيرين تحاكي تجربة الأكراد في شمال البلاد حيث أعلن عن وثيقة مشابهة من أجل تمرير مشروع اللامركزية، وبعدها استقلت وفق حكم ذاتي بشكل غير رسمي في نوفمبر من العام 2013، لتعلن في 17 مارس 2016 عن إقامة منطقة فدرالية تتمتع بحكم ذاتي في شمال شرقي سوريا وسط رفض سوري عربي وكردي.

وفي تاريخ مقارب لوثيقة حوران علت الاحتجاجات السورية على ما نشرته بعض المواقع والشخصيات تحت مسمى “وثيقة” تحالف بين الأقليات السورية، وتم اعتبارها بداية لتقسيم سوريا في الشمال وفي الجنوب، وبأنها تمزيق لوحدة الشعب السـوري، وطمـس لهـويته الوطنيـة والقـومية وظلـم للأكثـرية، وذلك رغـم توضيح المشـاركين، لاحقـا، أنها مجرد مسودة للنقاط التي جرى نقاشها ضمن ورشة حوار جرت في مدينـة اسطنبـول التـركية في 27- 30 مايو 2017 بدعوة من قبل المجلس الوطني الكردي الممثل بالائتلاف الوطني، والمركز الأوروبي للدراسات الكردية ومقره برلين.

حالة الإفلاس في إيجاد حل للمعضلات السورية العالقة والمزمنة، وعدم وجود مشروع وطني يمكن الاتكاء عليه والانطلاق منه دفعت البعض للتفكير أو القبول بالانفصال، ولكن حـدة الاحتجـاجات السورية الذي لاقته وثيقة “عهد حوران” ومؤتمر الأقليات، تشير إلى أن معظم السوريين يظهـرون تعلقهم بالتـاريخ المشتـرك وتمسكهم بالجغرافية السورية، وينشدون دولة جامعة تؤدي وظائفها بشكل مناسب لجميع السوريين، ويرفضون كل المشاريع الساعية لتقسيم بلدهم متجاوزين خطوط الحرب والدماء، فهل بات هذا حلما صعب المنال؟

كاتبة سورية

9