سوريا: مناطق نفوذ تتحول إلى كيانات مستقلة

في ظل تعنت نظام الأسد ورفض سيناريوهات المشاركة في السلطة، يبدو أن استمرار تلك المناطق وتحولها إلى كيانات سياسية مستقلة مرجح في السنوات القادمة.
السبت 2019/07/13
تثبيت مناطق النفوذ سوف يرفع من أهمية المفاوضات السياسية ومن دور لجنة صياغة الدستور

في تطور هام يرسم ملامح مستقبل سوريا بعد الحرب، وافقت كل من بريطانيا وفرنسا على إرسال قوات إضافية إلى سوريا. وتركز وسائل الإعلام على أن زيادة عدد القوات الفرنسية والبريطانية، البالغ عددها حاليا نحو 500 جندي، أتى لتعويض انسحاب القوات الأميركية حسب رغبة الرئيس دونالد ترامب. ولكن الحقيقة أن قرار الانسحاب الذي أعلنه ترامب في نهاية العام الماضي والذي أثار عاصفة استياء وأدى إلى استقالة وزير الدفاع وعدد من المسؤولين رفيعي المستوى، أصبح من الماضي. إذ توصلت الإدارة الأميركية، تحت ضغط المؤسسة العسكرية والكونغرس، إلى تعزيز تواجدها في سوريا بعيدا عن رغبات الرئيس الأميركي ومتطلبات حملته الانتخابية للعام القادم.

بهذا المعنى تأتي مشاركة قوات إضافية من فرنسا وبريطانيا، ومن المتوقع إعلان دول أخرى مشاركتها قريبا، في إطار تكريس الوضع السياسي والأمني الحالي لمناطق شمال سوريا وتعزيز استقرارها بما يساهم بإنهاء الغموض الذي يغلف النزاع السوري منذ عام 2013.

عندما انطلقت الثورة السورية عام 2011، بدا المستقبل بالنسبة لمعظم السوريين وللمراقبين الدوليين والإقليميين واضحا إلى حد كبير. كان الحديث عن أيام “معدودة” لنظام الأسد وعن التحولات السياسية المتوقعة وغير المسبوقة في تاريخ البلاد. لكن الأزمة أثبتت، بمرور الأيام والسنوات، أنها اشد تعقيدا. برزت عشرات المجموعات المسلحة التي تتلقى الدعم من عدد كبير من الأطراف المتصارعة. كما برزت تنظيمات جهادية متنوعة وتحولت لتكون اللاعب الأقوى في صفوف التنظيمات التي تقاتل النظام السوري. واشتد ساعد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال البلاد ونجح في تطوير قوة عسكرية متماسكة مستفيدا من ارتباطه بحزب العمال الكردستاني. وأخيرا جاء التدخل الروسي والأميركي والتركي، وإرسال تلك البلدان قوات عسكرية لدعم الأطراف المتحاربة. باختصار تعقدت الصورة وغاب الوضوح الذي وسم الأشهر الأولى من الثورة وبات فهم مجريات الحرب ومآلاتها متعذرا حتى على أشد المتابعين.

في العامين الماضيين ومع النجاحات العسكرية التي حققها التحالف الإيراني الروسي الداعم لنظام الأسد وتمكنه من قلب التوازنات العسكرية ضد المعارضة، بدا للمراقبين أن التعقيد بدأ ينجلي عن المشهد السوري. ومع استعادة النظام السوري السيطرة على أهم معاقل المعارضة، راحت وسائل الإعلام تتحدث عن انتصار النظام السوري وعن حتمية سيطرته على كافة المناطق الخارجة عن سيطرته، وتم إبعاد التعقيد والغموض جانبا لتحل البساطة مكانهما، ويجري توقع عودة سوريا إلى سابق عهدها: سوريا الأسد.

ولكن الحقيقة أن زلزالا مشابها لذلك الذي أحدثته الثورة السورية على مستوى الدولة والمجتمع لا يمكن أن يؤول إلى لا شيء، وكأن شيئا لم يكن. بعد ثمانية أعوام على ذلك الزلزال، يبدو أن ملامح سوريا الجديدة بدأت ترتسم. ففضلا عن منطقة سيطرة النظام السوري، والتي تقدر بنحو 65 إلى 70 في المئة من مساحة البلاد، هنالك منطقتا نفوذ؛ واحدة أميركية وأخرى تركية، يبدو أنهما وُجدتا لتبقيان.

ارتسمت مناطق النفوذ الثلاث منذ نحو عامين، ولكنها افتقدت الاستقرار والدعم الدولي والإقليمي، وهو ما جعل المراقبين يتوقعون أن يسترجعها نظام الأسد بمساعدة حلفائه. ولكن التطورات الأخيرة، منذ مطلع العام الحالي وجهت ضربة قاضية لأحلام النظام السوري وداعميه، ورفعت من درجة استقلالية تلك المناطق.

سوف تبقى القوات الأميركية في سوريا ويجري تعزيزها بمشاركة عدد من الدول الأوروبية. من جهة أخرى، ارتفعت وتيرة الانخراط العربي، والمملكة العربية السعودية بشكل خاص، في تحديد مستقبل شمال سوريا. نجحت الضغوط الأميركية على قوات سوريا الديمقراطية والمشاورات السعودية مع القبائل العربية في نزع فتيل صراع عربي- كردي وهو ما ساهم في تثبيت استقرار تلك المناطق.

من جهتها راقبت تركيا تلك التطورات بحذر، ودفعها ذلك إلى التمسك بمناطقها التي كانت ولا تزال الحلقة الأضعف بين مناطق النفوذ الثلاث. خلال الشهرين الماضيين، بدت أنقرة أكثر جرأة وأظهرت استعدادا للتصادم مع حلفائها، إيران وروسيا، بما يخص مناطق خفض التصعيد. دعمت تركيا فصائل المعارضة بشكل سخي وغير مألوف منذ توقف الدعم عنها عام 2017. وأوقعت قوات المعارضة خسائر فادحة في صفوف النظام السوري، رغم الدعم الجوي الروسي، في مناطق ريفي إدلب وحماة. بل فتحت المعارضة جبهة ثالثة على الساحل السوري، في تنسيق للعمل العسكري على عدة جبهات لم يحدث منذ عام 2016. باختصار يشير الدعم الهائل الذي حظيت به تلك الفصائل إلى تمسك تركيا بمنطقة نفوذها، وانفتاح شهيتها على مدينة إدلب التي لم تكن مضمّنة في خارطة النفوذ التركي المتفق عليها في مفاوضات أستانة مع إيران وروسيا.

سوف يرفع تثبيت مناطق النفوذ تلك من أهمية المفاوضات السياسية ومن دور لجنة صياغة الدستور التي يبدو أنها على وشك أن تتشكل. ولكن في ظل تعنت نظام الأسد ورفض سيناريوهات المشاركة في السلطة، يبدو أن استمرار تلك المناطق وتحولها إلى كيانات سياسية ذات هوية مستقلة هو المرجح في السنوات القادمة.

9