سوريا منغمسة في الحرب ولبنان مشغول.. وتجارة الحشيش تنتعش

الجمعة 2013/11/29
القنب يتم فرزه وطحنه وغربلته ليتحول إلى بودرة

البقاع (لبنان) – السنة الماضية، هاجم مزارعو الحشيش في شرق لبنان بالقذائف الجيش خلال محاولته تدمير مزروعاتهم. أما هذه السنة، فهم ينظرون إلى موسمهم برضى، إذ أن النزاع في سوريا المجاورة انعكس شللا في مؤسسات الدولة اللبنانية، فغضت الطرف، كما ساهم في تنشيط عمليات التهريب عبر الحدود بين البلدين.

ويقول أبو سامي مزارع القنب الهندي في إحدى قرى البقاع، إن "الموسم كان كاملا. كنا محظوظين، لم يتم إتلافه".

وتمتد الحدود بين البقاع والأراضي السورية على مسافة عشرات الكيلومترات وهي في نقاط كثيرة غير محددة رسميا. كما أنها غير مضبوطة بتاتا، وتتخللها معابر وعرة كثيرة وغير قانونية ولا توجد عليها أية رقابة، وتستخدم لتهريب سلع مختلفة.

وفي قرية أبي سامي الواقعة عند سفح جبال جرداء والتي يفضل مزارعوها عدم كشف اسمها، يجري العمل على قدم وساق وفي وضح النهار في "الهنغارات"، وهي عبارة عن مرائب سيارات يتم فيها فرز القنب وطحنه من خلال "الفراكة" (المحلج) و"الغربال" ليتحول إلى بودرة.

وعلى امتداد طرق القرية المتعرجة، يمكن رؤية نساء ورجال يعملون داخل مرائب أغلقت أبوابها الحديدية بشكل جزئي، فيما عدد من الأطفال يلهون في الخارج. العمل هنا يتم على مستوى العائلات. وهذا المشهد لا يصدم أحدا. فسكان هذه المنطقة يجاهرون بأن الحشيش هو مصدر رزقهم الأوحد.

ويقول أبو سامي مبتسما "هذه السنة، لم تتعرض لنا القوى الأمنية، لأنها مشغولة بأمور أخرى"، في إشارة إلى التوترات الأمنية التي تشهدها المناطق اللبنانية منذ أشهر على خلفية النزاع السوري.

ويقول عفيف، مزارع آخر من القرية إن "الدولة لا تريد فتح جبهة جديدة، إنها منغمسة في مشاكل مرتبطة بسوريا. وإلا لكانت داهمتنا وأتلفت مواسمنا".

زراعة الحشيش تعيل في البقاع اللبنانية عائلات بكاملها

ويتم زرع الحشيش في الربيع، وحصاده في أيلول/سبتمبر. يتم بعد ذلك تجفيفه تحت أشعة الشمس لمدة 3 أيام، قبل أن يدخلوه إلى "الهنغارات" ليبرد، ثم يتم "دقه" أو طحنه.

وتحول الحشيش اللبناني المعروف بـ"نوعيته الجيدة" خلال الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990) إلى صناعة مزدهرة كانت تدخل ملايين الدولارات. بعد الحرب، قامت الدولة اللبنانية، بضغط من واشنطن خصوصا، بحملات للقضاء على هذه الزراعة، واعدة بزراعات بديلة، الأمر الذي لم يتحقق. فقد لقي مشروع للأمم المتحدة للزراعات البديلة فشلا ذريعا في نهاية القرن الماضي بسبب الفساد ونقص التمويل.

ومنذ ذلك الحين، تتكرر المواجهة كل سنة بين السلطات والمزارعين الذين يطالبون بتشريع هذه الزراعة.

ويغلب الانتماء إلى العشيرة في البقاع على أي انتماء آخر. ويتمتع حزب الله، حليف النظام السوري، بنفوذ واسع في المنطقة.

ويجد أبو سامي وعفيف وغيرهما من المزارعين في الحرب الدائرة في الجانب الآخر من الحدود "نعمة" أخرى تسهل لهم تصريف الموسم. ويقول أبو سامي "اليوم، يمكن تمرير أي شيء عبر الحدود. في السابق، كانت الدولة السورية تتخذ تدابير مشددة، اليوم تسود الفوضى". ويضيف وهو يتأمل تلة من الحشيش داكن اللون على أرض "الهنغار" "حيثما توجد الحرب، توجد المخدرات".

وعلى بعد بضعة أمتار، تقوم امرأتان مسنتان بإحراق الأعناق المتبقية لإخفاء كل أثر للشتل.

ويقول أبو سامي والمزارعون الآخرون إن الطلب على الحشيش ارتفع بنسبة تفوق 50 في المئة منذ سنة، مشيرين إلى أن "معظم البضاعة يتم تصريفه عبر التهريب إلى سوريا" عن طريق المعابر غير القانونية المتزايدة.

ويروي أبو علي وهو أحد سكان القرية وعلى اتصال مع المهربين، أن "عصابات في سوريا تشتري الحشيش من البقاع بكميات تتراوح بين 30 و100 كلغ أو أكثر كل مرة. وهي تستغل الفوضى الحاصلة في سوريا لتهريب الإنتاج إلى الدول المجاورة".

وأشار أبو علي إلى أن "مقاتلين في سوريا يشترون أيضا كميات صغيرة للاستهلاك فحسب".

وفي القرية البقاعية، الجميع يدافع عن زراعة الحشيش دون تردد أو توبيخ ضمير. ويقول عفيف، وهو والد لثلاثة أطفال، "إنها تعيل عائلات بكاملها".

ويشير إلى أن مساحة الـ20 دونما التي يزرعها تعود عليه بعشرات الآلاف من الدولارات سنويا، فيما أرباح المهربين الكبار يمكن أن تصل إلى مليون ونصف مليون دولار سنويا.

ويقول "هنا، لا يمكن زراعة أي شيء غير الحشيش، فالصقيع عندنا يتلف التفاح مثلا". ويضيف ضاحكا "إنها هبة من الله. هل يمكن الوقوف في وجه الله؟".

20