سوريا من "الحرية" إلى "الجهادية"

الثلاثاء 2014/03/25

تردّد شعار «الله حرية وسوريا وبس» بالضد من شعار «الله بشار سوريا وبس»؛ فكان الضد شبيه الضد، أي يحمل رسالة بسيطة مفادها أن هناك سلطة ضد الشعب وشعبا ضد السلطة، ولكن لاحقاً تبيّن أن الضد ليس نقيضاً للضد بل هو شبيه به؛ حيث أوصل الشعاران سوريا إلى ما يشبه تدمير الدولة والثورة معاً.

أضاف البعض إلى فكرة ثورة الحرية كلمة الكرامة، ولكن بقي المعنى أجوفاً، ويحمل طابعاً أخلاقياً بسيطاً، أي لا بد من استرجاع الكرامة من السلطة، وهذا أمر أقل من طبيعي ولكن كيف نستعيد الحرية والكرامة؟

هذا ما لم تُقدَّم بصدده أية رؤية أو برنامج أو سياسات جدية. وعُمِّم مع مفردة الحرية من قبل المعارضة ومن يواليها وليس من الشعب الثائر، أن الحرية تساوي أن نستعين بالشيطان من أجل نيلها، وبالتالي طُلِبت كل أشكال المساعدة من الخارج بدءاً من المال إلى السلاح إلى التدخل العسكري إلى كل ذلك، وزاد في الطين بلة المعارض السوري كمال اللبواني حينما طلب مؤخراً تدخلاً إسرائيلياً ضد النظام تضمن المعارضة مقابله لإسرائيل اتفاق سلام وتتكفل إسرائيل بإسقاط النظام؛ متخلياً عن أية نزعة وطنية، وموظفاً ثورة بأكملها في سياق صراعاته السياسية.

كان الشعار الذي عُمِّم خاطئاً، وادعت المعارضة بأنّه يمثل الشعب، وهذا غير صحيح، فالشعار أطلقته مجموعة من الشباب في حي الحميدية في 15 آذار ولاحقاً حاول الشعب تعميمه بشعارات أدق تقترب في الرؤية والبرامج، وإن بشكل مبسط وغير محدّد، فطرحوا مسألة النهب عبر اسم رامي مخلوف وشاليش، وطرحوا موضوع الجولان، وأن على النظام استعادته، ولم يقطع الشعب الصلة بالنظام في السنة الأولى تقريباً وحاول طرح مطالب اقتصادية وسياسية، وتغيير العلاقة بين الشعب والسلطة الأمنية، وإيقاف النهب والقمع؛ وهنا من المفيد التذكير بتفاعل الشعب بإيجابية مع اسم جمعة الجمعة العظيمة وجمعة صالح العلي، وأن الشعب السوري واحد وضد السلفية والطائفية، وبالتالي كانت هناك محاولات جدية لتجاوز ضدية الشعارات نحو رؤية وبرنامج وسياسات جديّة. المعارضة الليبرالية والإخوانية استسهلت مهمة إسقاط النظام، وتوهمت أن تجربة ليبيا بالتدخل العسكري ستتكرّر في سوريا، ورفضت أي ميل نحو تجذير الثورة عبر توسيع قاعدتها الشعبية، والانتباه إلى أيديولوجيا النظام، وكيف يعمّم رؤيته ضد الثورة، ويؤكد أنها مجرد مجاميع سلفية ومؤامرة إقليمية وامبريالية وغير ذلك، وكيف راح يخيف العلمانيين والأقليات وأصحاب رؤوس الأموال في كل من حلب ودمشق، وكيف لعب على ورقة العشائر والأكراد؛ كل ذلك تجاهلته المعارضة، وكرّرت بكل غباء ضرورة التدخل ولاحقاً الثرثرة الفارغة بطلب السلاح النوعي، والحقيقة لم يصل سلاح حقيقي ولا نوعي، وما وصل فقط هو لتوريط المعارضة في أجندات إقليمية وامبريالية، وهو ما تحقق، حيث أصبحت المعارضة تابعة تبعية شبه كاملة إلى السعودية وقطر وتركيا، وهناك أشكال أخف من التبعية لفرنسا وأميركا.

مع تصاعد الثورة، تصاعدت همجية النظام، ومع نهاية عام 2011 بدأت الكتائب المسلحة تتزايد بشكل كبير، وانفلت الأمر تماماً، وتشكلت مجموعات لا علاقة لها بالثورة لامن قريب ولا من بعيد.

وهنا فشلت المعارضة في تشكيل قيادة للعمل العسكري، وانفصل العسكري عن السياسي، وفتِح العسكري صلات خاصة به، وتدخلت الدول الإقليمية بقوة في هذا المجال، باعتبارها متضرّرة من انتصار الثورة الشعبية، فكان لا بد من إخمادها عبر خلق تشكيلات عسكرية طائفية جهادية، وفي هذا التقى كل من النظام والدول الإقليمية بالضد من الثورة والجيش الحر، أو التشكيلات المحلي. وبدلاً من ضبط هذه العملية، فقد تركت لكل من هب ودب لحمل السلاح، وصارت مهمة المعارضة هي طلب السلاح فقط، بل إن كلاً من معاذ الخطيب وجورج صبرا عبّرا عن أن جبهة النصرة جزء من الثورة ورفضوا اعتبارها ووضعها على قائمة الإرهاب.

شعار الحرية هذا، ومع تشدّد النظام، دفع المجتمع نحو مطابقته مع الأسلمة والسلاح وبأنّ بهما تتحقق الحرية، وفي سبيل ذلك كل الوسائل مشروعة. المعارضة شرّعت هذا، ولا سيما المجلس الوطني ولاحقاً الائتلاف الوطني، ووقف الخارج الإقليمي والامبريالي مع هذا الفهم المبتسر والمحدود للثورة، ولكنه المؤدي إلى إنهائها، وفي حال نجاحها يكون الواقع تعديلا بسيطا في السلطة، مع دفعها لتكون سلطة ضعيفة وطائفية، وفي هذا التقى النظام والمعارضة كذلك.

شعار الحرية صار يساوي إسقاط النظام بأية طريقة كانت، فغابت الرؤية والبرنامج من ذلك، وما عمّم كان أقرب للفهم الطائفي؛ حيث النظام طائفي والثورة تتكون من الأغلبية الدينية، وبالتالي لا بد من تحقيق الحرية بأن تصل الأغلبية إلى الحكم. وفي هذا سيطر الفهم الطائفي لمجريات الثورة، حيث وظفه النظام لفائدته؛ فبالطائفية يمكن أن يستمر، وهذا ما شوه قيم الثورة وبرّر للنظام همجيته أمام الموالين له وأمام الدول الخارجية.

رفض المعارضة الليبرالية تضمين الحرية أية رؤية، سوى مطابقتها بإسقاط النظام، أوصل الثورة إلى الأسلمة والجهادية ولا سيما في إطار التشكيلات العسكرية؛ حتى صارت وزناً فاعلاً في الثورة رغم أنها أجزاء من الثورة المضادة، وبالتالي أصبحت الثورة بمعناها الشعبي ضعيفة ومهمشة، سيما وأن تسعة ملايين إنسان وهم بأغلبيتهم الحاضنة الشعبية للحراك أصبحوا خارج الفعل الثوري.

بعد ثلاث سنوات، يمكننا القول أن المعارضة الليبرالية قد فشلت بالكامل، ومعها الإخوان، حيث ظهرت نزعة جهادية إرهابية، لا علاقة لها بالثورة تهدف إمّا لدولة إسلامية أو لخلافة إسلامية، وبالتالي قادت الحرية كشعارٍ وحيدٍ نحو الجهادية كواقع.

طريق الخلاص يكون بالخلاص من المعارضة ومن الجماعات الجهادية وتبني قضايا تخص الدولة العلمانية الديمقراطية والنهوض بالاقتصاد وتأمين عمل للعاطلين عن العمل، وأن تكون الثورة لصالح كل السوريين، ولا تمثل طائفة وليست ضد طائفة، وترفض كل ملمح طائفي أو جهادي وتندد به، لأنه يخدم النظام ويدمّر الثورة.


كاتب سوري

8