سوريا.. ميدان الأصولية

السبت 2014/01/04

يستقبل السوريون العام الجديد وقد انتقلت ثورتهم من حال إلى آخر. فالثورة الشعبية الديمقراطية المدنية التي اندلعت في منتصف مارس 2011 لا تبدو على ما يرام. ففي حين أثقلها في عامها الثاني الخطاب الديني الأصولي، تكاد التنظيمات الأصولية المحسوبة على الثورة وعلى النظام، تجهز عليها تماماً في عامها الثالث.

يمكن ربط تطوّر الخطاب الديني في صفوف قوى الثورة السورية، بتطور مستويات العنف الذي فجره النظام في وجه المحتجين السلميين. إذ انتقل الخطاب الديني التقليدي الذي يعبّر عن ثقافة إسلامية عامة وعن غياب الحياة السياسية، إلى خطاب أيديولوجي أصولي غريب عن السوريين، وذلك مع انتقال همجية النظام وعنفه إلى حدود رهيبة ومفزعة، حتى يكاد تاريخ الصراع بين الأنظمة والشعوب لم يعرف مثلها قط.

في ظل نمو الخطاب الأصولي في صفوف المقاتلين، وفي ظل أكاذيب النظام وجرعات الخوف والتحريض الطائفي التي يبثها في إعلامه ومنذ بداية الثورة، كان شعور الخوف يزداد لدى الطائفة العلوية مع كل تقدم للثورة وتراجع للنظام. والحديث في هذا السياق لا يخص الفئات التي تورطت بأعمال القتل وتطوعت كـ”شبيحة”، وإنما الشرائح المدنية الواسعة التي لم تقاتل إلى جانب النظام، لكنها تهجس بمصيرها وتتوقع أن تدفع ثمناً باهظاً إذا نجحت الثورة في إسقاط النظام.

هكذا، عجزت الثورة، حتى في طورها السلمي وخطابها الوطني، عن اجتذاب العلويين إلى صفوفها. إذ ساد اعتقاد راسخ بأن الثورة السورية، وفي أحد وجوهها، سوف تجرّدهم من كل “المكاسب” التي حظوا بها في عهد النظام. وحقيقة الأمر أن لا مكاسب حقيقية تخص الطائفة العلوية كشريحة سكانية خلال فترة حكم الأسد، إذ اقتصرت المكاسب على دائرة ضيّقة، خدمت النظام وكانت عوناً له في سياساته الإجرامية على كل المستويات. أما المناطق التي تقطنها الطائفة العلوية فهي مناطق مهمشة وفقيرة، وأبناء هذه الطائفة- كما أبناء كل سوريا- يعانون من البؤس والحرمان، ولاشك في أن النظام السوري تعمّد الإبقاء على حالة الفقر والحرمان تلك، حتى يتسنى له استغلال المعاناة وإدخال الطائفة في سياسته الأمنية لإحكام قبضته على الدولة.

النظام نجح إلى حد كبير في ذلك، وهو يقاتل منذ عامين كميليشيا متلاحمة أكثر منه كجيش، ويظن معظم أفراده المقاتلين في العمق، أنهم يخوضون صراعاً من أجل البقاء الجماعي. استغل النظام حالة الذعر التي تعيشها الطائفة العلوية، وأبرز في خطابه الداخلي كل أخطاء الثورة وأخطاء المعارضة، خصوصاً تلك الأخطاء التي تعزز من رعب الأقليات، وتظهر الأصولية الدينية في أبشع صورها، ولم يخل الأمر من الكذب والتلفيق والمبالغة في كثير من الأحيان. ومع تصاعد الانشقاقات السياسية والعسكرية والأمنية عن النظام، ازدادت الروابط الطائفية فيه، والتي باتت تشكل سلاح الأمان والثقة في بيئة عامة معادية للنظام، وهو ما أطال الصراع ورفع من الخسائر والتضحيات.

كانت تلك اللوحة التي تصور التركيب الداخلي للنظام كفيلة بمنع احتمالات أن تنهار السلطة بشكل مفاجئ ودراماتيكي، كما حدث في مصر وتونس. إذ جعلت الرابطة الأهلية من النظام السوري شديد التماسك والمرونة، هذا بالإضافة إلى الدعم الدولي والإقليمي والطائفي من دول مختلفة، وهو ما جعل النظام يواصل الحرب ويتأقلم معها.

لقد عزز الخطاب الأصولي الذي اجتذبه الدمار والقتل المجاني الواسع النطاق، من قوة النظام السوري وأسبغ عليه نوعا من “الشرعية” التي كان يبحث عنها. إذ نقل هذا الخطاب عامل الانقسام الأهلي الذي وجد منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة، إلى موقع شديد التأثير في مجريات الواقع. فأضفى الانقسام الأهلي على النظام السوري قوة وتماسكا أكبر، ودعما دوليا وإقليميا شديد الإخلاص حتى الرمق الأخير. هكذا، فمن تجاهل وجود هذا الانقسام وغرق في أدلجة الوطنية، توقع سقوط النظام بعد أشهر فقط من اندلاع الثورة، وتوقع انفضاض الموالين من حوله وهو ما لم يحصل، بل تعزز.

ويبدو أن الالتفاف “الأقلوي” حول النظام قد تحول هو الآخر، في العام الفائت، إلى نوع من الأصولية القاتلة. فتقاطرت المليشيات الطائفية، حزب الله ومليشيات إيران والعراق، التي شكلت الوجه الآخر لتنظيم القاعدة بفرعيه في سوريا، داعش وجبهة النصرة. وقد نقل تفشي الأصوليين في صفوف النظام السوري، قسما من الموالين له إلى مركب الأصولية الذي لم يعد حكراً على الثوار الذين تعرضوا إلى أقسى حملات التنكيل والإجرام، فبات كل السوريين في الأصولية سواء.

لقد حافظ النظام السوري على وجوده، بعد أن زرع بذور الأصولية في المعسكرين، وأشرف على رعايتها حتى شبّت وتطاولت تحت ناظريه. وها هي سوريا اليوم، وقد باتت ميداناً واسعاً للأصولية الدينية المدمّرة، التي لا تشبه أياً من السوريين. لا تشبه إلا النظام، بعقله الإقصائي، وسلوكه الإجرامي المدمّر.

كاتب فلسطيني – سوري

8