سوريا.. نقاش في اقتتال الجماعات الجهادية وحواضنها الشعبية

نقد التيارات المعتدلة للتيارات الإسلامية الجهادية والمتطرفة والإرهابية، بقي عند الحدود الشـكلية المحدودة، ولم يشمل أسسها ومنطلقاتها النظرية أو العقدية، باعتبارها أن الجميع "إخوة" في المنهج.
الاثنين 2019/01/07
الصراع السوري شكل ميدان اختبار للتيارات الإسلامية كلها

لا جديد في مشهد الصراع السوري، الدائر اليوم حيث الاقتتال الدموي بين الجماعات “الجهادية” المتطرفة، في الشمال في أرياف محافظات حلب وإدلب وحماه، سيما بين “جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام) و“حراس الدين”، المحسوبتين على منظمة القاعدة، من جهة، وفصائل أحرار الشام وصقور الشام وجيش الأحرار ونورالدين زنكي وفيلق الشام، من الجهة الأخرى.

القصد أن المشهد السوري ظل يشهد احتدام مثل هذا النوع من الصراعات، طوال السنوات الماضية، منذ صعود الفصائل الإسلامية المتطرفة والمسلحة، وهو ما خبرناه في المعارك الحامية بين تلك الفصائل، ولا سيما بين “جبهة النصرة” من جهة والفصائل الإسلامية الأخرى من جهة ثانية، في غوطة دمشق ومنطقة القلمون، وفي درعا وريفها، وحلب وريفها، الأمر الذي أسهم، مع التدخّل الروسي في سبتمبر 2015، في استعادة النظام لمعظم المناطق التي كان فقد السيطرة عليها قبل سنوات.

في كل حال فقد ثبت بالتجربة، وليس بالتحليل فقط، أن تلك الجماعات أضرّت بمجتمع السوريين، وزعزعت إجماعاتهم، وقوّضت صدقية ثورتهم وأضعفتها، وهي فوق كل ذلك أضرت حتى بشرعية الجماعات الإسلامية الدعوية أو المدنية، ناهيك أنها أضرت بذاتها، إذ لم تستطع أن تحقق شيئا، بدليل انهيار معظمها، وانحسار سيطرتها، وبدليل أنها في استقوائها على مجتمع السوريين، انتهجت القوة والقسر، في محاولاتها فرض نموذجها عليه، ثم بدليل تسليمها أسلحتها والمناطق التي كانت تخضع لسيطرتها للنظام، في الكثير من المناطق في الشمال والجنوب والوسط، ناهيك عن انشغالها المستمر بالاقتتال فيما بينها.

ثمة هنا خمس مسائل يجدر لفت الانتباه إليها.

المسألة الأولى أن تلك الجماعات الجهادية المتطرفة، هي التي قوضت شرعية الإسلام السياسي المدني، أكثر بكثير مما فعلت التيارات الأخرى المختلفة معه، أي اليسارية أو القومية أو الوطنية، وأنها هي التي اشتغلت على تصفية بعضها، أكثر مما فعل ذلك أي أحد آخر، وما حصل ويحصل في إطار الصراع السوري يؤكد ذلك.

والثانية، أن تلك الجماعات المتطرفة بفكرها وأساليب عملها، وروحها العنيفة، ليست وليدة حاضنة شعبية وازنة، وليست نتاجا لحراكات أو اجتهادات داخلية في التيارات الإسلامية الدعوية والمدنية، بدليل أنها لم تظهر في بلدان أخرى، باستثناء سوريا والعراق، إذ أنها لم تنشأ في مصر ولا في السودان ولا في المغرب ولا في فلسطين ولا في الأردن مثلا، ناهيك أنها لم تنشأ قبل انطلاق الثورة السورية في العام 2011، ولا قبل الغزو الأميركي للعراق عام 2003، على الرغم من أن ثمة مثل هذه الظواهر لكنها ظلت فردية أو محدودة ومعزولة.

والمسألة الثالثة، أنه، ومع التقدير الكبير للجهد البحثي واحترامه والحثّ عليه، إلا أن حيثيات نشوء تلك الفصائل أو الجماعات الجهادية المتطرفة والمسلحة موجودة في مكاتب وأضابير أجهزة معينة، لدى هذه الدولة أو تلك، أكثر بكثير مما هي موجودة في أحوال المجتمعات المعنية. والمعنى أنه لولا تدفق السلاح والأموال والتسهيلات اللوجستية من أطراف دولية وإقليمية، لما أمكن لهذه الجماعات أن تظهر بالشكل أو بالقوة اللذين ظهرت بهما، ولما كان لها أن تحتل حيزا في المجال الاجتماعي، في بيئات فقيرة ومضطربة، وفي ظروف صراع على الوجود.

المسألة الرابعة هي أن الدليل على غربة تلك الفصائل أو الجماعات المتطرفة هو الطابع الوسطي أو المرن للتدين الشعبي السوري، ولجوء تلك الفصائل المتطرفة إلى القوة والإكراه في التعامل مع مجتمع السوريين، في ما اعتبر مناطق محررة، مع أهمية لفت الانتباه في هذا السياق إلى أن الإسلام السياسي أو المدني، الموالي للنظام، الذي مثله الشيخان محمد سعيد البوطي وأحمد كفتارو وتنظيم الأخوات القبيسيات، على سبيل المثال، هو أقوى بكثير من تيار الإسلام السياسي المعارض، والمتمثل مثلا، في حركة الإخوان المسلمين، على ما ظهر مؤخرا، حتى بصعود جماعات إسلامية متطرفة ومسلحة، نبتت فجأة وبرزت في بضع سنوات، بالقياس على جماعة لها من العمر حوالي تسعة عقود.

والمسألة الخامسة، أن سكوت التيارات الإسلامية المدنية والمعتدلة (نســبياً) عن تلك الجماعات المتطرفة، وعدم توجيه النقد إليها ونزع الشرعية عنها، أسهما في صعود تلك الجماعات واستقوائها.

وقد شهدنا أن نقد التيارات المعتدلة للتيارات الإسلامية الجهادية والمتطرفة والإرهابية، بقي عند الحدود الشـكلية المحدودة، ولم يشمل أسسها ومنطلقاتها النظرية أو العقدية، باعتبارها أن الجميع “إخوة” في المنهج، وبظنها أن هذه الجماعات المتطرفة يمكن أن تخدمها، أو تصبّ في صالحها.

والحال أن تجربة الجماعات الإسلامية المسلحة والمتطرفة، أثبتت وبثمن باهظ، أنه لا يمكن لتيارات الإسلام السياسي أن تشتغل إذا لم توائم نفسها أو تتصالح مع الواقع والعصر والعالم، إذ يتعذر قبولها كقوة ماضوية وعنفية وتكفيرية وقسرية وإقصائية، لأن هذه وصفة للحروب الأهلية والعبث والضياع، وهو ما يحصل في سوريا والعراق.

كما لا يمكن للتيارات الإسلامية حيازة شرعية سياسية من دون أن تقر بقيم الحرية والمساواة والعدالة والمواطنة، والاعتراف بالآخر والقبول بالتعددية، ونقد أفكارها عن الحاكمية والحدود والخلافة أو القطع معها، وتفهّم أنها مجرد أحزاب سياسية مثلها مثل غيرها، من دون الاتكاء على المقدس أو ادعاء الوكالة عن الله.

باختصار شكل الصراع السوري ميدان اختبار للتيارات الإسلامية كلها، وخاصة منها الجماعات المسلحة والمتطرفة، وهي في صراعاتها واقتتالها تكشفت عن مجرد تيارات سياسية مثل غيرها، لا تقيم اعتبارا سوى لمصالحها الخاصة، المتعلقة بالمكانة والموارد والنفوذ، ويأتي ضمن ذلك بسط سيطرتها بالقوة، والاحتكام إلى السلاح لحل المشكلات البينية بينها، ناهيك عن خضوعها للتوظيفات الدولية والإقليمية، على حساب مصالح السوريين.

ولعل كل ما تقدم يفيد بأن هذه التيارات بدورها تتجه إلى الأفول، في تكرار لظاهرة أفول التيارات التي استندت إلى الأيديولوجيات الكبرى الأخرى، أي اليسارية والقومية، وربما كان ذلك ممرا أساسيا للتصالح مع السياسة باعتبارها عملا بشريا، لا علاقة له بالأيديولوجيات أو بالأديان، سواء كانت دنيوية أو دينية.

9