سوريا نهاية اللعبة الخطرة

الخميس 2013/08/29

يبلغ سباق الحرب والدبلوماسية، الذي تشكل على هامش الثورة السورية، مرحلته الأخيرة والأكثر خطرا، وعلى وقع زبد أطفال الغوطة ارتسم في فضاء المنطقة مشهد جديد ومرعب، تبين أن عصابة بشار الأسد ومن ورائها روسيا وإيران قد تكفلت بتظهيره وإبرازه بهدف جعله معطى، في سياق ما اعتقدته هذه الأطراف من سباق حرب المعطيات، وقناعتها بأن الطرف الذي يستطيع جمع أكبر عدد من المعطيات والنقاط الميدانية سيكون هو الأقدر على فرض شروطه في المرحلة المقبلة.

انطلاقا من ذلك، ثمة تقديرات تؤكد بأن عملية استهداف الغوطتين بالكيمياوي جاءت نتيجة عملية تنسيق بين الأطراف الثلاثة المذكورة، وذلك بهدف حرمان الثوار ومن يدعمهم من الإستفادة من الواقع الإستراتيجي الذي حققه الثوار قرب دمشق وحولها وبالتالي تعطيل أي إمكانية لتحرير العاصمة وطرد كتائب النظام منها.

من الناحية العسكرية، يعتقد عسكر بشار أن إنجاز السيطرة على غوطة دمشق يمنح قواتهم مدى عسكريا أوسع وقدرة على الانتشار تجعل أي عملية لإخراجهم من دمشق عملية معقدة ومستحيلة، في حين أن حصرهم ضمن نطاقات جغرافية معينة ضمن العاصمة يسهل كثيراً من عملية استهدافهم، وبموازاة ذلك، تشكل عملية الانتشار تلك إرباكا لأي قوة مهاجمة إذ قد تعمد قوات الأسد، في حال نجاحها بالسيطرة على الغوطة، إلى ارتكاب العديد من المذابح ولصقها بالقوات المهاجمة، مما قد يثير الرأي العام العالمي ضدها وقد يجبرها على عدم إتمام مهمتها أو البحث عن طرق أخرى للخروج من هذا المأزق.

غير أنه وفي أثناء عملها الدؤوب لرسم المشهد الجديد، وإستعجالها إنجازه وتظهيره، عملت تلك الأطراف على زيادة العيار فوق ما تسمح به المواصفات الدولية الراهنة، التي كانت قد تكيفت مع المذابح وفق صيرورة معينة وقبلت أن يجري القتل بأدوات وطرق معينة، إلا أن حجم الكارثة الكيمياوية أرعبها، كما أنه بات يضع مصداقية القوى الكبرى، بما فيها واشنطن صاحبة الخطوط الحمر، على المحك، إضافة إلى كونه يمثل محاولة لتكريس منطق سياسي جديد في منطقة مهمة لصالح روسيا وإيران وعملائهما في المنطقة.

كل المؤشرات، هذه المرة، تتراكم في سياق خروج الحدث السوري عن روتينيته التي استغرقت طويلاً، وثمة مقاربة جديدة يجري تجهيز عدتها وسيناريوهاتها المختلفة، رغم ما صدر عن مشغلي عصابة بشار، روسيا وإيران، من تحذيرات وتلميحات سلبية.

معظم التقديرات ترجح إمكانية الرد عسكريا، انطلاقا من تجربة التدخل الأميركي، بمساعدة الناتو، في كوسوفو، حيث نُفذت حملات جوية عسكرية لمدة 78 يوما، جرى دحر قوات ميلوسوفيتش فيها من دون اللجوء إلى مجلس الأمن، بل إن معظم المحللين يعتقدون أن الضربات الأميركية المحتملة ستكون بواسطة صواريخ «كروز» من المتوسط وخاصة بعد أن عززت هذه الأخيرة من تواجدها العسكري وقواتها في المتوسط. هذا وقد جرى الكشف مؤخراً عن «بنك الأهداف» التي سيطالها القصف الأميركي لسوريا بالصواريخ «المجنحة»، والتي تشمل مواقع إطلاق وتخزين الصواريخ السورية، ومقار الحكومة والرئاسة والأركان وبعض القطاعات العسكرية. ويجري ذلك بالتوازي مع احتمال فرض منطقة حظر طيران، تبدأ من الأردن، وتشمل جنوب سوريا، وبصورة تتيح للثوار تعزيز وضعهم في الخاصرة الجنوبية للعاصمة واستكمال سيطرتهم على بقية الأجزاء.

ثمة تداعيات متوقعة لمثل هذا التطور لا بد أنه يجري العمل على حصرها وتضييقها تتمثل بإمكانية قيام روسيا والصين وإيران بتزويد عصابة الأسد بأنواع من الأسلحة المتطورة تدفعه إلى توجيهها إلى إسرائيل، والأردن لخلق فوضى أخرى تؤدي إلى تدخلهما بشكل مباشر، أو أن تقوم إيران بواسطة حزب الله بتوجيه صواريخ تحت ذريعة الضربات الأميركية. كما أن هناك احتمالات أن يقوم الأسد بالتحرش بتركيا لغاية توسيع الدائرة المعقدة حوله وبدفع من روسيا. لكن لا يتوقع تدخل روسيا والصين عسكرياً لأن ذلك يعني اتساعاً للحرب خارج المنطقة، لكن ستكون التجاذبات السياسية هي قوة العمل.

عملياً، أعلنت روسيا على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف أنها ليست معنية بالتدخل العسكري في سوريا لصالح أي طرف، هذا يعني أن السياسة التجريبية التي إتبعتها موسكو في سوريا وصلت ذروتها وأنها باتت بحاجة لمن ينزلها عن الشجرة، بعد أن إكتشفت مدى جدية المجتمع الدولي، وإمكانية إتهامها بالمشاركة في الإبادة الحاصلة في سوريا.

داخلياً تنحصر خطورة التداعيات المتوقعة بإجرائين خطيرين، يتمثل الأول بارتكاب الفظائع في ضواحي العاصمة الخارجة عن سيطرة النظام استعجالا لتنظيفها من الثوار، أما الخطر الأخر فيطال الأعداد الكبيرة من النازحين اللاجئين في الساحل، إذ لا يستبعد أن تقدم الميليشيات الطائفية، قبل ضربها وتفكيكها، بارتكاب عمليات قتل طائفي بحق عشرات الآلاف من أولئك اللاجئين. هي مرحلة خطرة بكل المعاني تخوضها سوريا وشعبها بعد معاناة طويلة مع الموت والرعب، لا نملك إلا التمني بأن تتجاوزها سوريا بأقل قدر من الخسائر.

8