سوريا: هل مازال الخيار العسكري مطروحا

الثلاثاء 2013/10/01
هل يبعد الاتفاق الدولي الأسد عن المساءلة والعقاب

بعد فترة من التجاذبات السياسية والمواقف المتباينة من الأزمة السورية هددت أميركا خلالها بإمكانية اللجوء إلى توجيه ضربة عسكرية، تم في الأيام القليلة الماضية حصول اتفاق بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين) على مشروع قرار حول الأسلحة الكيماوية السورية والذي يقضي بتدميرها كليا، وهو ما يتفق مع إطار عمل جنيف حول تدمير الأسلحة الكيماوية في سوريا.

ويذهب العديد من المحللين إلى أن الاتفاق الأخير قد ينهي أزمة طالت كثيرا وأرقت المجتمع الدولي، كما يمكن أن يمهد لحل سياسي يكون المخرج المنقـذ للجميع. لكن آخرون ذهبوا إلى أن الاتفاق لا يعني بالضرورة أن الحل العسكري قد ألغي تماما وأن نظام بشار الأسد قد نجا من العقاب ومن المحاسبة. وأنه سيستمر في حكم البلاد بعد تدميرها وبعد قتل أكثر من120 ألف سوري.

ونعرض هنا لقرائنا الأفاضل موقفين متباينين من المسألة الأول لسيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي الذي يذهب إلى أن الاتفاق سيمهـد الطريق لمؤتمر جنيف - 2 وللحل السياسي الذي يلغي نهائيا الخيار العسكري والثاني للأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندرس فو راسموسن الــــذي يرى أن خيار تنفيذ ضربة عسكرية أو عملية مماثلة في سوريا يجب أن يظل مطروحا باعتباره سبيلا للتعامل مع الأزمة السورية.


سيرغي لافروف: العالم يتجه نحو مؤتمر جنيف 2 والحل السلمي


يذهب سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي إلى أنه بعد الاتفاق الحاصل في الأمم المتحدة، فإن الخيار العسكري أصبح غير مطروح وأن العالم يتجه نحو مؤتمر جنيف - 2 ونحو الحل السلمي.

ويرى لافروف أن قرار مجلس الأمن حول تدمير السلاح الكيميائي السوري لا يسمح باللجوء إلى استعمال القوة، موضحا عقب التصويت في مجلس الأمن على قرار تدمير السلاح الكيميائي السوري، إن القرار لا يخضع للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ولا يسمح بشكل تلقائي باستعمال القوة.

كما أشار إلى أن القرار يؤكد الاتفاقات الروسية الأميركية التي تم التوصل إليها في جنيف والتي تقول إن مخالفة القرار واستعمال السلاح الكيميائي من قبل أي طرف كان، يجب أن يخضع لتحقيق دقيق من قبل مجلس الأمن الذي سيكون جاهزا للتصرف وفقا للفصل السابع.

ويرى لافروف أن إجراءات الرد من قبل مجلس الأمن يجب أن تكون متناسبة مع حجم المخالفة التي يجب إثباتها 100 بالمئة"، مؤكداً أن مسؤولية تطبيق القرار لا تقع على عاتق الحكومة السورية فقط، حيث إن متطلبات مجلس الأمن تفرض على المعارضة السورية أن تتعاون مع الخبراء الدوليين أيضا.

ويعتقد لافروف أن هناك مسؤولية خاصة تقع على عاتق البلدان التي تدعم المعارضة، معتبرا أن عليهم عدم السماح بوقوع السلاح الكيميائي بأيدي المتطرفين على حد تعبيره.

مشيرا إلى أن سوريا التي انضمت إلى معاهدة حظر السلاح الكيميائي في منتصف أيلول الماضي، بدأت بتنفيذ التزاماتها وقدمت لمنظمة حظر السلاح الكيميائي بيانات مفصلة عن مخزون الأسلحة لديها، و إلى أن موسكو تنطلق من أن دمشق ستستمر في التعاون مع الخبراء الدوليين.

كما تنطلق أيضا من أن عمل خبراء الأمم المتحدة ومنظمة حظر السلاح الكيميائي في سوريا سيكون مهنيا وغير منحاز، مع احترام كامل لسيادة الدولة السورية.

معربا عن استعداد بلاده للمشاركة في جميع مراحل العملية التي ستجري في سوريا، والعمل بشكل نشط ومباشر للتحضير لمؤتمر جنيف 2.

ويشدّد سيرغي على أهمية تشكيل القرار إطارا للتسوية السياسية الدبلوماسية للأزمة السورية، حيث إنه يوافق بدون تحفظات على اتفاق جنيف في 30 يونيو من العام الماضي كقاعدة للتسوية، معبرا عن أمله بإعلان جميع فصائل المعارضة السورية موافقتها على المشاركة في المؤتمر الدولي "من دون شروط مسبقة".

ويدعو لافروف ممولي المعارضين إلى ممارسة الضغوط عليهم، مؤكدا أن تنفيذ قرار مجلس الأمن بتدمير السلاح الكيميائي سيعود بالنفع على المنطقة وسيدفع باتجاه إنشاء شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل ووسائل نقلها.

وكان سيرغي لافروف أعلن في وقت سابق إثر مفاوضات مع الجانب الأميركي أنه اتفق مع وزير الخارجية جون كيري على تجنب السيناريو العسكري بسوريا الذي يضع العلاقات الدولية على شفير الهاوية، معتبرا أن السيناريو العسكري سيكون مدمرا للمنطقة.

مؤكدا "أننا نسعى لعقد مؤتمر جنيف 2 الشهر الجاري وقد يتأجل للشهر المقبل وعلى جميع الفرقاء في سوريا المشاركة في المؤتمر دون شروط".

ويذهب لافروف إلى أنه توصل مع كيري إلى قرار بشأن قضية السلاح الكيميائي في سوريا من خلال التنازلات والاتفاق. معتبرا في المقابل أن الاتفاق مع أميركا بشأن الأسلحة الكيميائية السورية لا يتضمن أي شيء عن استخدام محتمل للقوة واعتبر الاتفاق خطوة نحو إيجاد الحل الشامل للأزمة السورية، شاكرا كيري على الجهود البناءة التي بذلها وخاصة على مستوى هذه المفاوضات المختصة بالسلاح الكيميائي لوضعه تحت سيطرة المجتمع الدولي تمهيدا لتدمير، مُرحّبا بقرار دمشق الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية والالتزام بتنفيذها .


أندرس فو راسموسن: خيار الضربة العسكرية يجب أن يظل قائما


يرى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندرس فو راسموسن إن خيار تنفيذ ضربة عسكرية أو عملية مماثلة في سوريا يجب أن يظل مطروحا باعتباره سبيلا للتعامل مع الأزمة السورية.

ورغم ترحيبه بالاتفاق الأميركي الروسي على التخلص من الأسلحة الكيماوية السورية لكنه يعتقد أنه من الضروري الإبقاء على الخيار العسكري مطروحا للحفاظ على قوة الدفع في العملية الدبلوماسية والسياسية. ويقول راسموسن في أحد تصريحاته "أعتقد أن الخيار العسكري سيظل مطروحا على الطاولة."

ويرى راسموسن أنه ليس لديه شك في أن الحكومة السورية مسؤولة عن الهجوم بغاز السارين الذي وقع يوم 21 أغسطس آب بإحدى ضواحي دمشق و أودى بحياة ما يربو على 1400 شخص، رافضا ما قالته الحكومة السورية وموسكو من أن مقاتلي المعارضة هم المسؤولون عن الهجوم.

ويعتقد أنه ليس منطقيا أن تهاجم المعارضة رجالها بأسلحة كيماوية في مناطق تسيطر عليها بالفعل. وعلاوة على ذلك لا تمتلك المعارضة الوسائل اللازمة لتنفيذ هجوم بالأسلحة الكيماوية بذاك النطاق والحجم، ويرى استخدام الأسلحة الكيميائية جريمة، لذلك يتعين على النظام القانوني الدولي الانشغال بهذا الأمر.

كما يرى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أن التهديد بالتدخل العسكري في سورية فقط يمكنه أن يدفع الرئيس السوري بشار الأسد إلى القضاء على أسلحته الكيميائية.

ويعارض راسموسن تصريحات الأسد، التي قال فيها إن القضاء على الأسلحة الكيميائية في سورية يحتاج إلى عام على الأقل، مضيفا أن روسيا والولايات المتحدة اتفقتا على جدول زمني طموح نسبيا ، قائلا: أعتقد أنه يتعين علينا الالتزام بالجدول الزمني الذي أتفق عليه الطرفان.

ويرى راسموسن أن التهديد الصادق باستخدام القوة العسكرية (ضد سوريا) سهل العملية الدبلوماسية والسياسية، والتي أدت في النهاية إلى الاتفاق الأمريكي-الروسي في جنيف، ويؤكد راسموسن أن الحل العسكري ليس حلا طويل المدى للنزاع السوري.

ويذهب إلى أن العالم أجمع منشغل جداً بالوضع في سوريا و أنّ الهجوم الكيميائي في سوريا لا يمكن أن يبقى دون جواب ومن الضروري أن يبعث المجتمع الدولي برسالة قوية إلى الحكام المستبدين في جميع أنحاء العالم مفادها أنه لا يمكنهم استخدام الأسلحة الكيميائية دون تلقي ردّ فعل، ومن المهمّ أن يبعث المجتمع الدولي برسالة واضحة جدا. الأمر يتعلق بمسؤولية المجتمع الدولي لفرض احترام الحظر الدولي للقتال واستخدام الأسلحة الكيميائية.

ويرى أندرس أن أعمال القتل التي شاهدها العالم خلال الصراع السوري مروعة، ربما قتل أكثر من مائة ألف شخص، الأمر رهيب، ولكن من الواضح أن استخدام الأسلحة الكيميائية أمر خاص جدا.

و الممكن أن تتحول الأسلحة الكيميائية بسهولة إلى سلاح دمار شامل ولهذا السبب هناك قيود صارمة جدا في الاتفاقيات الدولية. في الواقع هناك حظر لاستخدام الأسلحة الكيميائية ولهذا السبب يجد المجتمع الدولي نفسه أمام مسؤولية خاصة عندما يتعلق الأمر بتنفيذ تلك الاتفاقيات الدولية.

ويعتقد راسموسن أنه من المؤسف أن يحدث إنقسام داخل المجتمع الدولي، وأن وجود مجتمع دولي منقسم يحمل الكثير من المسؤولية عندما يتعلق الأمر بالنزاع في سوريا.

ولكن أكثر الظن أنه الروس سيدركون أن هناك مسائل كثيرة على المحك وأنهم لن يشاركوا في أيّ صراع، و أنها مسؤولية يتحملها كلّ المجتمع الدولي لحماية الاتفاقيات الدولية ضد استخدام الأسلحة الكيميائية.

مجازر النظام السوري أي عقاب بعد الاتفاق الدولي

تغيرت في الآونة الأخيرة بعض المعطيات السياسية بعد جدل طويل ومحادثات بين القوى الدولية المعنية مباشرة بالصراع الحاصل في سوريا.

فقد حصل اتفاق بين أكبر لاعبين في القضية السورية وهما روسيا وأميركا لحل الصراع بين المعارضة ونظام الأسد من خلال البحث عن سبل أخرى غير الحل العسكري.

ويمثل الاتفاق الدولي حول تدمير الأسلحة الكيمياوية التي يملكها النظام السوري نقطة البداية نحو التوجه إلى حل سياسي من خلال عقد مؤتمر جنيف-2 ومشاركة كل الأطراف السياسية للخروج من صراع طال أكثر من اللزوم.

هذا التطور الذي شهده الملف السوري طرح الكثير من الأسئلة التي من بينها هل تقبل المعارضة بالمضي نحو الحل السياسي انطلاقا من الاتفاقات الحاصلة بين القوى الدولية؟ وهل يعني ذلك بقاء نظام الأسد وعدم محاسبته على المجازر التي ارتكبها والقتلى الذي سقطوا جراء أسلحته الخفيفة والثقيلة؟ وكيف يمكن معاقبة الأسد على جرائمه العديدة بعد الاتفاق الحاصل؟

إن التحولات الدولية من الأزمة السورية ساهمت في إرباك المعارضة التي كانت تطمح إلى توجيه ضربة عسكرية تخلل أسس نظام مارس عليها أصنافا من القمع والقتل والتشريد.

وذاك ما جعلها تشعر بخذلان شديد من قرار واشنطن إبرام اتفاق مع موسكو للتخلص من الأسلحة الكيماوية للرئيس السوري بشار الأسد. وسط تحذير من دبلوماسيين من أنها تخاطر بفقدان الدعم الغربي إذا لم تتكيف مع الواقع الجديد.

ويقول دبلوماسيون ومصادر من المعارضة إن الخلاف الذي أدى إلى نفور المعارضة السورية من الولايات المتحدة يهدد بإخراج الجهود الدولية لإنهاء الحرب الأهلية السورية المندلعة منذ سنتين ونصف السنة عن مسارها.

وتأمل الولايات المتحدة أن يفتح الاتفاق الباب أمام التوصل لتسوية سياسية أوسع لكنه قلص فرصة توجيه ضربة أميركية لقوات الأسد كانت المعارضة تأمل ان تضعفه عسكريا وترغمه على حضور مؤتمر جديد مقرر للسلام. وقال دبلوماسيون تابعوا اجتماعا كبيرا للمعارضة في اسطنبول إن افتقار الائتلاف للمرونة في التعامل مع الأولويات الدبلوماسية المتغيرة كما أوضحها أوباما يمكن أن يحرم المعارضة من الدعم الغربي.

ويحتاج الجيش السوري الحر المدعوم من دول غربية وعربية إلى أي أصدقاء يمكنه الحصول عليهم في حين يكافح للتعامل مع الفوضى المتزايدة في مناطق المعارضة.

ويذكر أن مسؤول كبير في المعارضة اعترف أن اجتماع الائتلاف مؤخرا لم يتوصل إلى أي استراتيجية جديدة. وكانت المعارضة لا تزال تترنح من الاتفاق الأميركي الروسي الذي وصفه بأنه كان "صفعة على الوجه" للمعارضة.

ويذهب مراقبون أن على المعارضة أن لا تعول كثيرا على المواقف الدولية وعليها إذا أرادت دعما واصطفافا دوليا حولها السعي إلى إحداث انتصارات حقيقية على الأرض تجبر الجميع على الاعتراف بها وأنها البديل على النظام القائم.

12