سوريا وأمراء الحرب

الجمعة 2015/05/08

بدأ السوريون ثورتهم بأهداف واضحة، وانتهجوا أسلوباً سلمياً لتحقيقها، فثاروا ضد الفساد والاستبداد وطغيان أجهزة الأمن وطائفية النظام، وطالبوا بالحرية والكرامة والعدالة، وأصروا خلال الأشهر الأولى على السلمية لتحقيق ما يريدونه.

كانت القضية صراعاً سياسياً اجتماعياً سلمياً، ومازالت، بين جماهير شعبية ونظام سياسي حكم سوريا بالحديد طوال خمسة عقود، لكن النظام سرعان ما اتهم المنتفضين بالعمالة للخارج وقبض الأموال واستقدام السلاح والتطرف والإرهاب، وكانت هذه حججه لرفض الحوار واستخدام العنف المفرط، ما أدى إلى تحوّل الانتفاضة إلى صراع مسلح مفتوح بين النظام والشعب.

الظروف التي خلقها النظام سهّلت التدخل الخارجي، سواء باستقدام النظام ميليشيات طائفية متعددة الجنسيات منتفعة منفلتة لا يحكمها لا قانون ولا منطق، أو بتسليم القرار لإيران وغيرها من أجل ضمان استمرار الحكم، أو على الطرف الآخر بتقديم المساعدات للمعارضة ثم بإرسال السلاح لها، وشيئاً فشيئاً تم تهميش الجماهير السلمية والمعارضة السياسية، إلى أن أصبح جزءاً هاماً من الأزمة عبارة عن صراع لأمراء حرب يخوضون صراع بقاء، غالبيتهم من رؤوس النظام وكبار رجال الأمن فيه وميليشياته، وبعضهم من مقتنصي الفرص الذين لبسوا لبوس المعارضة (السياسية أو العسكرية) ليصبحوا بدورهم أمراء حرب في الطرف الثاني، وزاد تهميش الشعب والثوار.

تعامل النظام السوري مع الدولة السورية طوال خمسة عقود كأمير حرب، اعتبر سوريا مزرعة خاصة، فنهب ثرواتها ودمّر اقتصادها وبناها الاجتماعية والفكرية، وسعى رجاله لزيادة ثرواتهم بأسرع وقت، ربما لأنهم كانوا يُدركون حتمية حصول ثورة شعبية ضدهم، وحوّل النظام حزب البعث والحكومة لأدوات بيد ضباط الأمن من طائفة بعينها، هيمنوا على أجهزة الدولة، وقمعوا وسجنوا وقتلوا كل المعارضين، وحوّلوا سوريا إلى سجن كبير، يحكمه قانون الطوارئ والمحاكم الاستثنائية، واحتكروا المناصب الكبرى للمقربين منهم، وقسموا أراضي الدولة بينهم بالمجان، واحتكروا مناقصات الدولة وصفقاتها، وربما لهذا السبب أرسلوا عشرات الآلاف من أبنائهم للموت في سبيل بقاء النظام لا حباً فيه، بل حباً في هذه الامتيازات.

ولأنّه تربى وربّى رجاله ومواليه على ذلك، سمح لمؤيديه منذ الأيام الأولى للثورة باستباحة السوريين، سرقوا ونهبوا حتى أصبحت السرقة مهنة لميليشياته، والخطف صناعة لهم، وبيع الأعضاء البشرية تجارة.

تبدّلت الطبقات في سوريا خلال أربع سنوات، وظهر على السطح أغنياء جدد وضيعوا المنبت، يملأون الفنادق والبارات في مناطق سيطرة النظام والسلاح على جانبهم دون حياء، انتقلوا من حزام العشوائيات إلى أفخر الأحياء، وامتلأت خزائنهم بالملايين.

انتشرت بينهم ظاهرة الخطف من أجل الفدية، وظهر تنسيق بين عصابات الخطف والميليشيات، كما أصبحت المهنة الملازمة لنحو ألفي حاجز عسكري لميليشيات قوات الدفاع الوطني جباية المال، مبالغ صغيرة لتسريع المرور، وكبيرة لغض النظر عن مرور نشطاء ومطلوبين، وبات لكل شيء ثمنه عندهم، ومنعهم يعني التمرد على النظام.

ظهر أمراء حرب من نوع آخر، يغتنون على حساب آلام الآخرين، مرتزقة مقربون من أجهزة الأمن، يَعِدون أهالي السجناء والمعتقلين بتأمين زيارة لهم أو بإطلاق سراحهم مقابل المال ولا ينفذون وعودهم.

لم يكتف النظام بذلك لإثراء مؤيديه، بل أصدر قرارات اقتصادية تزيد ثرواتهم، كمخططات تنظيمية مشبوهة لمناطق شاسعة حول العاصمة، سوّتها قواته العسكرية بالأرض وهجّرت سكانها ثم ملّكها النظام لأمراء حربه. ومن ناحية أخرى، زاد القلق من بروز ظاهرة أمراء الحرب في سوريا من الطرف الآخر، فالتحولات التي طرأت على مسار الثورة السورية خلقت مناخاً لبعض المجرمين للاستفادة من حالة الانفلات وإنشاء مجموعات مسلحة باسم الجيش الحر، لكن هدفها الحقيقي السرقة والسطو تحت غطاء محاربة النظام، وأرهبوا السوريين كما فعل النظام، مثبتين أنهم تلاميذ من نفس المدرسة، وبات همّهم عدم انتهاء الأزمة سياسياً لأن باستمرارها استمرارهم.

الأكراد كان بينهم أمراء حرب، فالأقوى منهم أعلن إدارة ذاتية وحكومة وبرلمان خاصة به بمناطق ذات غالبية كردية، وبدأ بعضهم يتحدث عن دولة مستقلة أو فدرالية قومية، ومُنعت الأعلام السورية في تلك المناطق، ومُنع السوريين العرب من دخولها إلا بإذن، وبقي بعضهم يتعامل مع النظام طوال ثلاث سنوات ليزوده بالسلاح لمنع الجيش الحر من السيطرة، ثم انقلب على النظام وتعامل مع أكراد تركيا واستلم أسلحة، وبعدها تعامل مع أكراد العراق واستلم أسلحة، وأخيراً تعامل مع الأميركيين واستلم أسلحة.

كذلك وجّه نشطاء سوريون تهمة أمير حرب لبعض رموز المعارضة السياسية واتّهموهم بالفساد المالي والارتهان للخارج لضمان استمرار الهبات والتبرعات، وعاش بعضهم سنتين في فنادق فارهة على حساب الثورة وراكموا ثروات، ونُشرت وثائق تتهم ناشطين ومعارضين سياسيين بالارتزاق.

تنظيم الدولة الإسلامية، المرتبط بالقاعدة وبالنظام، سيطر على نحو ثلث مساحة سوريا، وأصبح له أمراء حرب كثيرون سيطروا على آبار نفط ومصاف وسدود، ونهبوا كل ما يمكن أن يُنهب، وباعوا الكهرباء والنفط للنظام، واشتركوا مه في صفقات عديدة ملطّخة بالدم لكنها متخمة بالأموال.

تؤكد بعض التقارير الدولية على ضرورة ضخ عشرين مليار دولار لإقناع أمراء الحرب من النظام للبدء بالتفكير في السير نحو السلام، فهم متمسكون بإماراتهم حتى النهاية إلا إذا وجدوا مصدر رزق أكثر ربحاً، وعملياً، حتى لو بدأ الحل السياسي، فإن سوريا ستحتاج لسنوات طويلة للتغلب على آثار الحرب، ولإنهاء ظاهرة أمراء الحرب، والخوف أن يظهر أمراء حرب من نوع آخر، أمراء حرب يجهزون أنفسهم منذ الآن ليعتاشوا على إعادة الإعمار، لينهبوا كل شيء قبل وصوله إلى السوريين، وعليه لابد من إعادة تشكيل بنية جديدة للحكم في سوريا قادرة على إيقاف خطر أمراء الحروب، والخشية إن لم يتم ذلك بسرعة فإن سوريا ستسقط نهائياً بأيدي أمراء الحروب إلى غير رجعة.

إعلامي سوري

8