سوريا وأهداف روسيا المتناقضة

الخميس 2015/01/08

لم تتغير السياسة الروسية جوهريا تجاه الأزمة السورية منذ بدء الانتفاضة قبل أربع سنوات حتى الآن، ومازالت هذه السياسة تتبنى موقف السلطة السورية بالكامل ودون تحفظ وتقول معها إن الانتفاضة السورية ليست ثورة، وإنما هي من فعل مغامرين وإرهابيين وعملاء لدول الخارج، وقد تمسكت هذه السياسة بالموقف الرسمي السوري ولم تتخلّ عنه منذ الأيام الأولى ودافعت عنه في مجلس الأمن حيث صوتت بالفيتو ضد مشاريع القرارات التي أحيلت إليه لحل الأزمة عندما ترفضها السلطة السورية وتعتبرها غير مناسبة ولا مقبولة، حتى أن المندوب الروسي استخدم الفيتو ضد مشروع قرار تقديم مساعدات إنسانية للشعب السوري.

في الوقت نفسه، لم تحاول السياسة الروسية استخدام نفوذها لدى السلطة السورية لتعديل موقف هذه السلطة، سواءً من جهة قبول إجراء إصلاحات على النظام السياسي القائم، أو تخفيف العنف والقصف الوحشي الذي يطال المدنيين وبيوتهم وأملاكهم، إضافة إلى ارتكاب المجازر ضدهم، وكانت ممارسات السلطة السورية عنيفة وقاسية وغير إنسانية ولا تحتاج معرفتها إلى كثير من التحليل أو التدقيق أو البحث لاكتشاف هذه المجازر ومعرفة مرتكبيها.

لم تحاول موسكو، ولو بشكل سري، إثناء النظام عن ممارساته هذه، حتى أنه ذهب بعيدا في ارتكاب المذابح بحق الشعب السوري بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية، معتمدا على الحماية الروسية له، سواء في مجلس الأمن أو في الأوساط الدولية عامة، وقد مرت فترات خلال السنوات الأربع الماضية كان خلالها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يصرح ويدافع عن السلطة السورية وكأنه ناطق باسمها، حتى دعاه السوريون “الناطق باسم الحكومة السورية والقائم مقام وليد المعلم”، وكانت بعض تصريحاته مثيرة للانتباه لأنها تتجاهل حتى الوقائع التي تجري في سوريا، وتزوّر بعض الأحداث وتتجاهل العنف والمجازر والاستخفاف بالشعب السوري من قبل السلطة، كما تتجاهل رفض السلطة السورية أي تطوير في النظام وممارساته، وكان وزير الخارجية الروسي يلقي التبعة دائماً على الشعب السوري الذي يراه مخدوعا ومدعوما من الخارج.

بحث السوريون كثيرا عن المصالح الروسية التي يخدمها هذا الموقف، فلم يجدوا ما يكفي من المصالح التي تدعو لتبرير التورط في هذه السياسة التي سماها السوريون “سياسة عمياء متحيّزة”، لا يبررها وجود القاعدة العسكرية البحرية الروسية المتواضعة في طرطوس، ولا مشتريات الأسلحة الروسية ولا غيرهما، ومازال السوريون مدهوشين حتى الآن من هذه السياسة ويعتقدون أن روسيا خسرت الصداقة العميقة التي كانت بين الاتحاد السوفيتي وسوريا، وفقدت العلاقة التاريخية بين البلدين دون ثمن كاف.

قامت قوى المعارضة السورية السياسية بإبلاغ الدبلوماسية الروسية أكثر من مرة أن أي نظام سياسي مقبل سيحترم مصالح روسيا والعلاقات معها، ولن يجازف بالتضييق على هذه المصالح ولا بالعمل على تراجع العلاقات، لأن هذه العلاقات ليست تاريخية فقط، بل أصبحت جزءاً من سياسة أي نظام سوري وتقليدا واعيا لا يمكن إلغاؤه، ولكن السياسة الروسية لم تتغير أمام تعهدات المعارضة هذه قيد أنملة، حتى صارت معظم شرائح وطبقات وفئات الشعب السوري تنتقد هذه السياسة وتأسف للمواقف الروسية التي سكتت على تدمير الشعب السوري، بل أصبحت روسيا مدار نقد عنيف هي وسياستها، ومحط كره معظم السوريين، الذين أصبحوا يعتبرونها طرفا في صراعهم مع السلطة.

في ضوء تحالف السياسة الروسية مع السلطة السورية يمكن فهم المشروع الروسي الأخير القاضي بجمع المعارضة في موسكو، ثم تهيئة لقائها مع وفد السلطة، حيث تعتبر المعارضة هذا المشروع، من أوله إلى آخره، إنما هو حراك لخدمة السلطة السورية لا مبادرة لحل الأزمة، ويمكن استخلاص مواقف فصائل المعارضة من خلال بياناتها وتصريحات أعضائها وتعليقاتهم وبياناتهم المعلنة.

تلاحظ أطراف المعارضة السورية أن هذا الحراك الروسي ليس مبادرة لحل الأزمة السورية، وقد أكدت ذلك الدبلوماسية الروسية عندما سلّم دبلوماسيوها دعوات للمدعوين إلى اللقاء في موسكو، حيث قيل لهم إن الجهد الروسي ليس مبادرة، وإنما هو مساهمة في عقد لقاء لن يشارك في اجتماعاته أي مسؤول روسي، ولن تتدخل الخارجية الروسية في أي أمر، وإنما تهتم فقط بتهيئة المناخ للسوريين ليتحاوروا، كما أكدت الخارجية الروسية أن اللقاء يتم دون شروط مسبقة، وليست له محاور، وبالتالي ليس له جدول أعمال، وأن الدعوات شخصية ولم تُوجّه لفصائل المعارضة كتنظيمات، وبالتالي فكل مدعو يمثل نفسه ولا يمثل أحدا آخر، وقال بعض الدبلوماسيين الروس إن الحكومة السورية وافقت على أسماء المدعوين (ويمكن الاستنتاج هنا أنه تم إبعاد من لم توافق عليه هذه الحكومة)، كما دُعيت شخصيات لا علاقة لها بالمعارضة، وكان من المنطقي أن تُدعى مع وفد الحكومة وليس مع أفراد المعارضة.

في ضوء هذه الملاحظات وغيرها، يمكن استنتاج أن المحاولة الروسية تهدف إلى مساعدة السلطة التي تراجعت عسكريا أو، على الأقل، لم تستطع أن تتقدم وتحقق انتصارات، وتأتي في وقت تمر فيه سوريا بأضعف ظروفها الاقتصادية، على أمل أن تؤدي هذه المحاولة إلى بعض الانفراج وتُقنع بعض المعارضين بتغيير مواقفهم أو على الأقل أن تُشكِّل حراكاً في الوقت الضائع، ريثما توجد ظروف جديدة أفضل تقود إلى إمكانية البدء في حل الأزمة السورية، ولتوحي بأن سكوت الولايات المتحدة ومن ورائها أوروبا على عدم مهاجمة المشروع الروسي يعني الموافقة على الجهود الروسية، سواء لملء الفراغ الناجم عن توقف الجهود الأخرى الفعالة لحل الأزمة، أو لإشغال الوقت الضائع.

يبدو أن لروسيا اهتمامات وهموما جديدة، وقناعة وليدة بضرورة حل الأزمة السورية تمهيدا للقضاء على تنظيم داعش، في ضوء الخوف الروسي من نجاح هذا التنظيم الذي يحتاج إلى قفزة صغيرة حتى يصبح في القوقاز ويخلق لروسيا مشكلة سوف تُقلقها بالتأكيد، خاصة وأن تنظيم داعش بث شريطا مصورا على الفيديو باللغة الروسية قبل شهرين وجّه فيه تهديدا مباشرا لروسيا، وقال إن الساحة المقبلة للحرب ستكون هناك، ومن المفروض أن السلطة الروسية تخشى كثيرا أن ينفذ تنظيم داعش تهديداته، وأن تنتقل المعركة إلى بلدان الشيشان أو إحدى بلدان القوقاز الإسلامية، وعندها سيجد الرئيس بوتين نفسه في ورطة كبيرة، خاصة وأنه هو الذي قضى على الحراك الشيشاني بالقمع والمجازر قبل عدة سنوات. ويُدعّم هذا الافتراض سكوت روسيا عن قصف قوات التحالف للمناطق التي تسيطر عليها المنظمات الإرهابية وتأييدها لهذا القصف ضمنا.

لعل كل هذا يدعو روسيا، الآن، إلى التفكير في تفكيك الأزمة السورية، لكن المشكلة أنها لا تريد التخلي عن “اللا منطق” الذي سيّر سياستها تجاه الأزمة السورية خلال أربع سنوات، فهي مازالت تريد تحقيق هدفين معا، القضاء على داعش وغيره من جهة، وإنقاذ أهل السلطة السورية الحالية وإبقائهم على رأس النظام لحفظ النفوذ الروسي من جهة ثانية، وتتناسى صعوبة تحقيق الهدفين معا، خاصة وأن للأميركيين رأيا آخر لا يتوافق مع ما يريده الروس، بالإضافة إلى أن الأوروبيين والأميركيين يرون استحالة الانتصار على الإرهاب والمنظمات الإرهابية دون الخلاص، أولاً، من السلطة السورية القائمة.


إعلامي سوري

8