سوريا وتلاشي المعارضة

الخميس 2016/03/10

يمكن لأي مراقب لما يجري في سوريا داخليا، وما يجري حولها إقليميا، وما يدور في الأفق العالمي، أن يستعيد التاريخ المشابه للأزمة في سوريا من الدول المجاورة، يمكنه حينها أن يستشرف المآلات في المستقبل، وأن يجزم بأن “المعارضة السورية” ستتلاشى وستمسي مرحلة “سادت ثم بادت” من مراحل الصراع على النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية والدولية في الشرق الأوسط. فعلم السياسة مزيج من علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ، من الناحية النظرية والمعرفية؛ كما أنه مزيج من حركة القوى الاجتماعية وحركة التاريخ وحركة المصالح، من الناحية العملية. من هذا المنطلق يمكن للمراقب أن يرصد نشاط “المعارضة السورية” منذ بداية الأزمة منتصف عام 2011 وبداية تشكلها في تركيا، وصولا إلى اليوم بعد خمس سنوات من عمر الأزمة وبداية تفتتها في الرياض. عندها نستطيع رصد المستقبل ومعرفة درجة التلاشي.

تحاول السعودية أن تقف مع الشعب السوري عبر دعم “المعارضة السورية” أخلاقيا وسياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا، وأعلنت دعمها لها عسكريا، إن تتطلب الأمر. لا بأس، لكن الأزمة تدوّلت وأمست في يد اللاعبين الكبار، كما أن جسم المعارضة مهلهل وفكرها مشتت بين عدد من القضايا مثل: الاعتراف بها كممثل شرعي للشعب السوري؛ رحيل الرئيس بشار الأسد؛ المشاركة في هيئة انتقالية يعني حكومة وحدة وطنية؛ تولي السلطة وإدارة البلاد؛ صياغة دستور؛ إجراء استفتاء على الدستور؛ إجراء انتخابات برلمانية؛ ثم انتخابات رئاسية، وبعد هذا كله، إن تحقق، هناك إعادة الإعمار ومن يتحمل كلفتها وبأي ثمن. هذه عناوين رئيسية فقط بعضها يتم تسويقه من رموز المعارضة في “قائمة الرياض” وبعض من حلفائهم، والبعض الآخر صدرت بشأنه قرارات أممية بالإجماع. أما بعضها فمسكوت عنه. لكن حدوث هذه الإجراءات المعلنة ليس بالسهولة التي يظنها البعض.

يظن البعض أن بمجرد تشكيل وفد تحت مسمّى “الهيئة العليا للتفاوض” أنها أصبحت مقبولة كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري، وهذا أكبر وهم وقعت فيه “قائمة الرياض”. فهناك قوائم موسكو والقاهرة، وهناك بأهمية خاصة، معارضة الداخل التي يراها الشعب السوري والنظام على حد سواء أكثر شرعية ومشروعية لأنها لم تحمل السلاح ولم تلجأ للخارج. صياغة مسمّى جامع وشامل يوحي بأن “قائمة الرياض” هي الهيئة العليا للتفاوض، هو تفكير بالتمني من الولايات المتحدة والحلفاء الإقليميين لمحاولة تمرير أجندتهم لمستقبل سوريا عبر تلك الهيئة. حيث أن “قائمة الرياض” لا تمثل أطياف الشعب السوري كما يحاول البعض تسويقه، لكنها بالتأكيد تمثل كافة حلفاء الولايات المتحدة المعارضة لسوريا.

يمكننا الاستدلال على ما سبق ذكره بمراجعة مواقف وتصريحات بعض رموز “قائمة الرياض” في الفترة من 25 إلى 28 يناير الماضي موعد انعقاد جنيف 3 الذي تم تجميده، والمواقف والتصريحات التي يتم تداولها اليوم. صدور القرار الأممي 2268، وإضافة فقرة تشير إلى وثيقة جنيف 1، دفعا المعارضة بتحريض من أميركا وحلفائها إلى العودة لموضوع رحيل بشار الأسد وتحديد توقيت الرحيل بأن يكون مع بداية المرحلة الانتقالية. هذه سذاجة سياسية أميركية معروفة ومتكررة ترددها بريطانيا وفرنسا مؤخرا، وترددها معهما المعارضة وهم يعلمون أكثر من غيرهم أن بشار الأسد لن يرحل، فبعض رموز “قائمة الرياض” كانوا جزءا من النظام ويعرفون قوة الرئيس ومدى صلابته في مواقفه وإجادته التعامل مع الأزمة في بلاده بعد أن باتت دولية.

يجدر بنا أن نسأل المعارضة سؤالا مبدئيا بسيطا: هل من المعقول والمنطقي أن يرحل بشار الأسد بكل بساطة أو من خلال محادثات في جنيف بعد خمس سنوات من الحرب والمقاومة ضد ما يسميه هو “مؤامرة على سوريا الدولة والشعب والمقاومة”، وبعد انخراط كافة دول العالم سياسيا وعسكريا في الأزمة؟ التفكير بالتمني قد يجدي أحيانا، لكن إذا لم تكن له معطيات وحقائق عملية على أرض الواقع، يمسي ذلك التفكير حينها، وبالا على أصحابه ومسوقيه لأنه سقوط ذريع في الوهم. فقد حسمت القرارات الأممية هذا الأمر بأهمية العودة للشعب السوري لكي يتخذ قرار أسلوب وطريقة الحكم والحوكمة والحكومة في سوريا تمشيا مع القانون الدولي.

تدرك ما يسمّى “المعارضة السورية” أن قوتها لا تكمن في ما يدعونه أو يزعمونه “قضية الشعب السوري”، بل في ما تتبناه الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها من إدعاء وزعم أخلاقي بالوقوف مع الشعب السوري لتبرير ذلك أمام شعوبهم والرأي العام الداخلي في مجتمعاتهم. ولذا فقوة المعارضة السورية، إن كان هناك من أثر للقوة، تكمن في الحلفاء. هنا يجب على العقلاء من المعارضة أن يعلموا أن الزمن والأحداث والمصالح، ثلاثة عوامل رئيسية في تفتيت حماس الحلفاء، بل وتحويل وتبديل مواقفهم. فبقدر اتساع رقعة الأزمة وتحولها من محلية إلى إقليمية إلى دولية، يتضاءل وزن القوة لديهم كشركاء محليين. فنظرة واحدة على خارطة جغرافيا التحالفات الموالية والمعارضة للنظام في سوريا تمكّن المراقب من إدراك تصاغر حجم سوريا في الخارطة السياسية، ومع ذلك تتضاءل أهمية وقوة ووزن “المعارضة السورية”.

تدرك المعارضة أنه في الخمس سنوات منذ بدء الأزمة المفتعلة في سوريا تبدّلت مواقف حلفائهم الدوليين والإقليميين بشكل لافت. فمن أسابيع أو أشهر لسقوط النظام في سوريا، التي كان يرددها وزير خارجية قطر حينذاك، إلى تقارير وأبحاث صدرت مؤخرا تؤكد استمرار الأزمة في سوريا إلى أكثر من عقد في أفضل الحالات وهو بقاء الرئيس بشار الأسد والنظام. أما في حال حصل أمر وتمت إزاحة الرئيس ونظامه، فإن الأزمة في سوريا ستكون كارثة عالمية وستستمر لأكثر من عقدين مع ما يصاحبها من حروب أهلية وتطرف وإرهاب يعم المنطقة بأسرها. وتبعا لهذه التقارير والأبحاث ظهر مؤخرا الحديث عن تقسيم سوريا، والدولة الفدرالية، وسوريا المفيدة، وغيرها من التخريجات الفكرية التي يأخذها الساسة في الغرب على محمل الجد.

يعلق باحث غربي على المطالبة الأميركية والغربية والإقليمية بشرط وأهمية رحيل بشار الأسد بقوله “إن هذه المطالبة غير المنطقية هي أشبه بمن يتعلم من أصول الطيران كيفية الإقلاع فقط”. فلا يوجد سيناريو أو تصور لدى الدول المطالبة برحيل الرئيس عن “ماذا بعد؟”. هذا السؤال “الكابوس”، كما يعلق الباحث، تطرده كل الدول من الأذهان لأن الجواب عنه فيه إحباط كبير، ولأن النتائج كارثية. وفي رأي باحث آخر، أن هذا السؤال تحديدا هو ما ساعد على انسداد الأفق السياسي للمعارضة التي لا تملك من أمرها شيئا، فأمسكت تردد المطالبة “برحيل الرئيس” لرفع سقف المطالَب علّها تحصل على بعض التنازلات في أي محادثات قادمة.

يمر حلفاء “المعارضة السورية” والذين هم مصدر القوة المعنوية والسياسية والعسكرية بظروف دولية متلاحقة تجعل من تلاشي المعارضة وقضيتها المفتعلة أمرا حتميا. فالولايات المتحدة، بصرف النظر عن عام الانتخابات الذي يشل حركة الانفعال السياسي الأميركي، تتجه عيونها صوب ما يجري في شبه الجزيرة الكورية ويشكل أهمية وأولوية استراتيجية تفوق بمراحل الأزمة في سوريا، والأهم من ذلك، أنها بحاجة ماسة لمساعدة روسيا في هذا الشأن. أما بريطانيا فمنشغلة ببقائها في الاتحاد الأوروبي من عدمه، مما سيغير من خارطة وقوة الاتحاد ومن تعاطيها السياسي. أما فرنسا وإيطاليا فمنشغلتان بما يجري في ليبيا وتونس، حديقتيهما الخلفية الأقرب والأخطر، من تطور لافت للإرهاب وتعاظم خطر تنظيم “داعش”. أما ألمانيا فمهتمة بأمر تدفق اللاجئين إلى أوروبا، وجرَّت معها تركيا مع بضع بليونات من اليورو ووعود مستقبلية. تبقى السعودية ودول الخليج التي تكاثرت عليها الأحداث وباتت جهودها واهتماماتها مشتتة بين ملفات اليمن وإيران وسوريا وليبيا وتونس. هنا على المعارضة السورية أن تحسب وزن الاهتمام المتبقي لها.

يبقى لنا أن نشير إلى أن الحكومة السورية تدرك كل ما سبق ذكره، وتتعامل مع جنيف وفيينا ونسخها المتعددة، ولقاءات وموسكو والقاهرة والرياض، والقرارات الأممية باستراتيجية النفس الطويل. هل يتذكر أحد من المعارضة مؤتمر مدريد وماذا قيل حينها وسقوف التوقعات والتنبؤات والقرارات والتمنيات، وبأهمية خاصة، الخيبات؟ يجب أن تدرك المعارضة السورية حقيقة علمية واحدة، وهي أن الأمر برمته يعتمد على “القوة” بمفاهيمها المتعددة كما بيّنها “هانز مورقنثاو”، لأن من يملكها يملك المفاتيح. وزن القوة لدى الحكومة السورية مسلط بتركيز على الأزمة فقط، بينما وزن التركيز لقوة حلفاء المعارضة، مشتت بين قضايا متعددة، وهنا يكمن الفارق. ألم نقل إن الزمن والأحداث والمصالح عناصر حاكمة؟

لو افترضنا بشيء من التفاؤل المستحيل، أن كل الإجراءات والخطوات في ذهن المعارضة وأمانيها وأحلامها والقرارات الأممية تحققت بيسر، وأن الرئيس بشار الأسد قرر الرحيل نزولا عند رغبة المعارضة وحلفائها وتسلموا السلطة، فمن سيقوم بدفع فاتورة الإعمار التي تصل في أقل تقدير إلى “تريليون” دولار؟ المعارضة لا تفكر في ذلك لأن بعضها “كالطفل الصغير يحسب الحليف على كل شيء قدير”، كما يقول المثل بتصرف. حينذاك ستكون أميركا “عراب” الأزمة في سوريا والأب السياسي للمعارضة وحلفائها ملزمين بدفع الفاتورة السياسية والاقتصادية والأمنية، ونجزم بأنهم غير مستعدين. فتجربة العراق ماثلة أمامهم للعيان.

أخيرا، المعارضة السورية في الخارج ستتلاشى، وخطابها سيخفت تدريجيا، وستستمر الحكومة السورية في التعامل مع الأزمة بأسلوب النفس الطويل، وستنقضي الأيام وتتكاثر الأحداث وتتبدّل المصالح، عندها ستخرج “المعارضة السورية” خالية الوفاض، إلا من ذكرها في مذكرات حقبة تاريخية سوداء مرت بمنطقة الشرق الأوسط. ختاما، كل ما يجري الآن وما تطمح إليه المعارضة سبق للرئيس السوري أن عرضه مع بداية الأزمة، أن تعالوا إلى حوار سوري/ سوري نحل مشاكلنا ونلبي ما هو منطقي من مطالبكم، لكن المصالح الدولية وشهوتهم للسلطة أوقعتهم في الوهم. هذا هو الفكر العربي لا يستيقظ إلا متأخرا وأكبر دليل قصة فلسطين من البداية. فاتعظوا يا أولي الألباب.

كاتب سعودي

8