سوريا وثورتها.. ما بين الملثمّين بالسواد والملثمّين بالورد!

الأحد 2013/09/01
أصدقائي الذين تعرفت إليهم في العالم الافتراضي، هم أصدقاء حقيقيون

في سوريا التي يتناهبها الملثّمون بالسواد من شبيحة نظام بشار الأسد ومجرميه، وطيور سوداء استولدها النظام ذاته، تَعْبُر باديتها وأريافها وشمالها وجنوبها، هناك ملثمون بما هو أنصع من العماء، وأقوى من القوة التي تبسط ذراعيها على الخلق ..من بين هؤلاء …ملثّمٌ بالورد، ظهر في فضاء الفيس بوك من أول أيام الثورة، حتى صار ظاهرة سورية حملت اسم ..(أكاد الجبل)، وقد عمل أكاد الجبل، في سوريا، مبكراً، في بيئة الفقر والإهمال الذي تعمّدته حكومات حافظ الأسد لمناطق الشمال والشمال الشرقي من سوريا، الخزان الاستراتيجي النفطي والزراعي، ضفاف الفرات الخالد، وسهولٌ على مدّ النظر تآكلتها الوحشة والحنين إلى كل شيء…خرج من المدرسة ليعيل أسرته، ثم عاد إليها كبيراً بعد سنوات، ليدرس تحت ضوء المصابيح الكئيبة في مطار ضمير العسكري، بلا أية صفوف مدرسية، وليحصل على المرتبة الأولى في الثانوية في مدينته الرقة، وليكمل دراسته بعدها ليحصل على الإجازة في القانون، ثم لا يلبث أن يغادر سوريا إلى أوروبا.. يصف أكاد الجبل تجربته في العمل الثوري من خلف قناع الورد (أكاد الجبل لم يعد شخصا مبهماً لعدد لا بأس به من السوريين، وقد أعلنت اسمي حين قرّرت القيام بحملة إغاثية وطنية للداخل السوري وكانت استجابة الناس مذهلة، فعلت ذلك للمصداقية، فلم يكن صحيحاً أن يساعد الناس شخصاً يجهلون من هو..).


لم يعرف الكيبورد قبل الثورة


ومن يرى عمل أكاد الجبل للثورة السورية لا يتوقع أن من يجلس أمام شاشة الكومبيوتر رجلٌ لم يكن قد سبق له التعامل مع الكمبيوتر يقول (لم ألمس الكيبورد قبل الثورة، في فترة الانتظار ما بين ثورة تونس وبين مظاهرة الحريقة في دمشق، وهتاف (الشعب السوري مابينذل) طلبت من ابني الصغير أن يساعدني في التعرف على الكمبيوتر ولاحقاً طلبت منه أن يفتح لي حساباً، تاريخ تأسيس صفحتي على الفيس بوك هو 31 آذار 2011، وتوزعت مشاعري بين الغضب العارم والفرح العارم، سمّيت الصفحة (أكاد الجبل) واخترت صورة البروفايل لأعظم شخصية وطنية في العصر الحديث، يوسف العظمة، وبعدها انتقلت للوردة، وكنت اخترت يوسف العظمة وزير الحربية السوري في البداية لأنه هو من علّمنا شعار (الموت ولا المذلة)، الموت ولا أن يقال فرنسا احتلت سوريا دون مقاومة، ذلك الرجل كان مثل الحسين، دخل معركة خاسرة وهو يعلم أنه سوف يقتل، لكنها الشجاعة والرجولة في ذراها، ثم قرّر أكاد الجبل استبدال صورة يوسف العظمة بصورة وردة حمراء صامتة (أكاد السوري خير من يمثله في عصرنا يوسف العظمة، عنما سالت الدماء الحمراء انتقلت الى الوردة الحمراء، الوردة عناق الدم والتراب، أردت أيضا تحرير اسم أكاد من الزمن، أكاد السوري الممتد في التاريخ، حملت اسم أكاد زمنا طويلا كأسم أطلقه على أحد أولادي، سمّيت سومر ومحمد ويزن وبقي إسم أكاد ينتظر، لأحمله أنا في الثورة السورية، وأردت من الجبل صلابة الانتماء، الرفعة، أما لماذا ليس باسمي الحقيقي فقد يكون الإسم حاجزا أحيانا، ولم أخش النظام، لأنني أصلا مطلوب للمخابرات السورية منذ سنوات، وقد انخرطت في الثورة أيضا باسمي الحقيقي ولقبي المهني، لمدة سنة ونصف، دون أن يعرف أحدٌ أنني (أكاد الجبل) وزرت مخيمات اللاجئين، وواصلت مثل غيري العمل الثوري عبر الإعلام وفضح جرائم النظام).


لماذا القناع؟


أراد (أكاد الجبل) في صفحته كما يقول (أن يكون سورياً خالصاً، بالاحتفاء بالكلمة الجميلة والمكثفة، صفحة خالية من الطائفية، صفحة لا أعداء لها سوى دولة العمالة والخيانة من الأب إلى الإبن، وفضح جرائم تلك الحثالة التي استولت على حياة السوريين نصف قرنٍ تقريباً، لم أكن يوماً طائفياً لأني سأخسر أجمل حلم انتظرته في حياتي، في القضاء على عصابة دمّرت المجتمع السوري كلّه ومزقت نسيجه وترابطه، وحوّلت سوريا إلى كانتونات طائفية معلنة وغير معلنة، عصابة بلبوس دولة، تمارس الإفساد والخطف والقتل والدعارة وتجارة المخدارات والابتزاز أكثر من ممارستها للسياسة)، وعن دوره في يوميات الثورة يقول أكاد الجبل (صرتُ شاهداً على أناس عملوا في الثورة وتحوّلوا بعد فترة إلى ألدّ أعداء الثورة،غلبتهم طائفيتهم، البعض منهم عمل كمعول هدم للثورة من داخلها، لذا نقول إن الثورة السورية هي الكاشفة، وهي قيامة الجميع، لن يجدي فيها التخفي، بينما أصاب الوهن كثيرين وتوقفوا في منتصف الطريق، ومنهم من أصبح عبئاً على الثورة التي كشفت لنا هشاشة الكثير من المثقفين، وتحوّلهم إلى خدمة دولة العصابة، وهناك أيضا الشباب، الناشطون، الطاقة الكبيرة التي بدأت الثورة بأفكارها ومظاهراتها وكاميراتها، وصفحات الفيس بوك، أما الطبقة المتوسطة فقد زجّ النظام معظم أبنائها في المعتقلات وقتل الكثيرين منهم تحت التعذيب، وأنهك البقية بالحصار والجوع، واستولد من سجونه بعض التنظيمات التكفيرية، لجلبها إلى الساحة التي يبدع فيها (مواجهة العصابات المسلحة والجماعات التكفيرية) أما القابضون على الثورة فهم هؤلاء الشباب).


الفيس بوك مسرح الثورات


وعن الفيس بوك وحضوره في الثورة السورية والتداخل ما بين الدور الإيجابي والسلبي في دفع الثورة أو تشتيتها يقول أكاد الجبل (جاء فرحي بالثورة مضاعفاً، أيقظتني من هذا السبات اللعين، ومنحتني معنى لما تبقى لي من حياة، لذلك تراني أعمل في اليوم لمدة خمسة عشر ساعة أو يزيد ولا أشعر بتعب، أعيش في اليونان منذ خروجي من سوريا قبل ثمانية عشر عاما، أما الفيس بوك فقد كان وسيلة نقلت الثورة إلى آفاق وعوالم كبيرة، وساهمت بشكل أساسي في دعم الثورة وإيصال صوتها إلى كل العالم، ولكنه أصبح الآن عبئاً على الثورة، عندما حوّل السوريين إلى قبائل فيسبوكية، تتوزع في جزرٍ متناثرة، تعتمد علاقاتها التبادلية على التشابه والتبعية وتبادل المنافع والإعجابات، وقد حاولت إعادة الاعتبار إلى هذه الوسيلة الثورية، عبر مشروع (الحملة الوطنية الدائمة) الذي يهدف إلى تعزيز الطبقة المتوسطة السورية والمتناثرة بالملايين في أصقاع الأرض والتي تفتقر إلى أي مشروع اجتماعي مدني، مشروع إغاثي وإعلامي حر، يعمل على فتح مئات الورشات المدنية في الخارج لخدمة الثورة وتفعيل العمل المدني، الكل في هذا المشروع متبرعٌ بماله ووقته، والإغاثة فيه تستهدف كافة المناطق المنكوبة والمحاصرة دون استثناء، وتدعم مشاريع التنمية الصغيرة في كافة المناطق، والهوية في هذا التجمع هي الهوية السورية، بعيداً عن السياسة والعسكرة)، ولم تتوقف محاولات جيش بشار الأسد الألكتروني في إغلاق صفحة أكاد الجبل، (تم إغلاق الصفحة مرتين تمكنتُ من استردادها مرة بمساعدة الصديق غسان عبود مالك تلفزيون أورينت، ثم تكرّر الأمر والصفحة الموجودة حالياً باسم أكاد الجبل، هي صفحتي البديلة التي كنت قد خبأتها لمثل هذه الظروف، صفحتي كانت تحوي ستين ألف مادة وصورة، منها ألبومات ذات اختصاصات دقيقة، كل أدب السجون في الثورة، وبسبب غموض الإسم لم يتجرأ أحد على استمالتي، فالناس استغرقت في هوية (أكاد الجبل) من يكون؟ ومن أية مدينة؟ ولم أتلق أية عروض وإغراءاتٍ من أحد، لديّ عملي الخاص حيث أعيش، وعملائي لايتخلون عن خدمات المكتب حتى لو كلمتهم من الشرفة، أخيرا قرّبت المكتب من بيتي حيث أستطيع أن أرى باب المكتب من وراء الطاولة التي أعمل خلفها حين أكون (أكاد الجبل).


من هو أكاد الجبل الحقيقي؟


حين تسأله عن نفسه وتقترب من شخصيته الحقيقية يقول ( كانت هناك آلاف التخمينات من الأسماء، الكثير من الأصدقاء تعامل معي على أنني فتاة!! بعضهم ظن أني كردي أو آشوري، وأنا من أسرة عربية، ولدت كردياً بسبب المحيط الكردي الغالب، والدتي من دير الزور، وأقمتُ في الرقة منذ العام 1970. وكنت مستمتعاً بتخمينات الأمكنة والمدن، طائفتي ومدينتي وعرقي، أحببت إحالتي إلى السويداء وإلى طرطوس، وأحبّها كان حين اعتقد الناس أنني من مدينة السلمية، وحتى هذه اللحظة أرغب أن يتقبلني أصدقائي من ساكني الشرف في هذه المدينة، الوردة والإسم يعطياني هذا النقاء السوري الكامل للاقتراب من كل جميل ونبيل وشجاع، تلك أعظم إنجازات الثورات في التاريخ، إسمي الحقيقي هو محمود عيسى، ومهنتي الأخيرة محامي، مارستها لمدة عشر سنوات، أعيش في اليونان منذ ثمانية عشر عاما، وأكاد هو أنا مضافا إليه الشجاعة التي كنت أفتقدها والجرأة العاتية كسيل، أنا الرقيق والعاشق الصوفيّ والإنسان، وإن لم أكن في الماضي شجاعا فلم أكن جباناً أيضاً، خرجتُ لاجئاً اقتصادياً، وفي سوريا كان لدينا ملايين المعارضين، ولكن ليس بالضرورة بشكل تنظيمي، ولهذا فقد كان هذا النظام عدوّي من البداية وكنت أكره حتى الاقتراب من كولبّاته، وحرصت على أن أكون بعيداً عن دوائره ولم أفكر بوظيفة في دولته، ربما كنت يسارياً بشكل أو بآخر، بيئتي الكردية كانت في عامودة، حيث أجمل البشر، المدينة التي كثر فيها الشعراء والأدباء، كل شيء في عامودة له مذاق خاص، عامودة ينتمي أهلها لأسر وعائلات، وهذا هو سر ذكاء شعبها، الانتماء العائلي يحرّرك من الانتماء القبلي والعشائري، ويمنحك التحرّر الكامل من المواضعات الاجتماعية، أهل عامودة لهم عنبهم وخضرتهم وعجّورهم وخبزهم، لا يشبه خضرة غيرهم وخبزهم، حتى مقبرة عامودة لا تشبه بقية المقابر، المقبرة التي رقد فيها أكثر من ثلاثمائة طفل في يوم واحد في حريق سينما عامودة، في الرقة تشكل وعيي، المدينة وأهلها الطيبون، التي كانت تقتات من الفطرة ومن العادات العربية الأصيلة، منذ اليوم الأول لدخولي المدينة وجدت نفسي جاراً لأعظم شخصية إنسانية وأدبية في الرقة الدكتور عبدالسلام العجيلي، وبسبب الملازمة الطويلة لحيّه، اعتبرني العجيلي فرداً من العائلة، وكان يزورني في البيت وساهم بدفعي إلى القراءة المبكرة، كلّ الذكريات القريبة والدافئة تأتي من الرقّة، نشأت فيها وتزوجت من المدينة ولي هناك بيت لم يكتمل بناؤه بعد.


بلا قناع الوردة هذه المرة


أخيرا يقول أكاد الجبل (كل ثانية وكل دقيقة أمضيتها في الصفحة كنت فيها صادقاً وغيوراً، وأصدقائي الذين تعرفت إليهم في العالم الافتراضي، هم أصدقاء حقيقيون، عرفتهم في محطات الصدق والألم والفرح بالثورة، والسوريون حتى الآن يتعاملون مع الثورة بشكل عاطفي، وقد استغرقنا كثيرا من وقت الثورة للتعارف، قلة من السوريين من انصرفوا إلى العمل الجاد والمدني وأغلب هؤلاء جنود مجهولون، التعامل مع الثورة بشكل رومانسي تسبّب بانسحاباتٍ حصلت منها، لأن الثورة في فترة تشكل هويتها الأخلاقية، فعل يظهر القبح أكثر من الجمال، ومع أن الثورة جعلتني إنسانا حزينا، ذلك الحزن الذي يدفعك لتتلمس طريق الجوعى والحزانى والثكالى، فقد أجّلت كثيراً من الحنين والصراخ، وأكثر الأماكن التي سوف أزورها بعد تحرير سوريا هي المقابر).

8