سوريا وحسابات السلطنة

الحرب في سوريا لم تفتح فقط حدود البلد للتدخلات والصراعات الخارجية إنما لعودة الشهوات الاستعمارية وإعادة رسم الخرائط لسوريا ولجوارها.
الخميس 2018/03/29
مقايضات المصالح والصفقات بين المثلث الاستعماري الجديد

بدت العمليات الأخيرة في الغوطة الشرقية وفي معركة عفرين كنسخة واضحة للمتغيرات السورية التي اتجهت في الآونة الأخيرة نحو حسابات الدول في تقاسم المناطق وتوسيع حدودها وحفظ أمنها، وإن كانت معارك الغوطة والتدمير والنزوح التي أسفرت عن سيطرة النظام على مساحة 85 بالمئة من أراضي الغوطة اتخذت عنوانها في حفظ أمن العاصمة، فإن لعملية غصن الزيتون التي انطلقت لحفظ أمن الحدود التركية أبعادها الأعمق والأوسع إن كان على الجانب السوري أو التركي.

منذ 2012 استلم مدينة عفرين حزب الاتحاد الديمقراطي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني حليف النظام سابقا لإخراجها من دائرة المعارضة للنظام، ونجحت ممارسات هذا الحزب طيلة سبع سنوات في دق إسفين الشقاق بين الأكراد والعرب السوريين في معظم مناطق سيطرة الحزب، وذلك قبل تحوله لأداة بيد أميركا التي لا يمكنها التضحية بعلاقات استراتيجية مع تركيا لأجله فتخلّت عنه في عفرين وستتخلّى عنه في منبج أو المناطق التي لا تتماشى مع مصالحها الحيوية بعد تثبيت وجودها في منطقة شرق الفرات. وتخلت روسيا عنه مقابل علاقات استراتيجية مع تركيا أكبر بكثير من عفرين.

مقايضات المصالح والصفقات بين المثلث الروسي التركي الإيراني التي بدأت مع تأسيس مناطق خفض التصعيد ومؤتمرات أستانة ثم سوتشي أسفرت مؤخرا عن تحديد أماكن انتشار قوات النظام والتنظيمات الإيرانية شمال حلب على ألاّ تقترب هذه النقاط من مناطق درع الفرات أو عفرين التي تتمم مناطق درع الفرات وتبلغ مساحتها مع انضمام عفرين إليها أكثر من 2100 كيلومتر مربع، وسط شكوك بموافقة ضمنية من النظام على تسليم جزء من سوريا للوصاية التركية مقابل خروج الفصائل المدعومة تركيا من محيط دمشق، وذلك رغم أثرها المستقبلي الكبير على مصير حدود الدولة السورية التي خسرت سابقا لواء إسكندرون.

الدولة السورية لم تخرج يوما من دائرة الحسابات التركية المختلفة قبل بدء الثورة وحالة الجزر والمد في علاقات الدولتين.

كان أخطرها 1998 وتهديد تركيا باجتياح سوريا بسبب إيوائها عبدالله أوجلان، قائد حزب العمال الكردستاني ودعمها للحزب، والتي انتقلت عقب اتفاق أضنة نحو بناء علاقات أمنية واقتصادية متينة سقطت مع قيام الثورة وتأكيد تركيا على وقوفها إلى جانب هذه الثورة مقدّمة الدعم المادي واللوجستي للفصائل المتعددة واحتضانها ما يقارب 3 ملايين لاجئ سوري، ثم نزوعها إلى الدفاع المباشر والاستباقي عن مصالحها الخاضعة لحسابات كثيرة يقودها الماضي والمستقبل.

أول هذه الحسابات الصراع مع الوجود مع الأكراد، وثانيها حسابات أردوغان ومحاولاته إحياء أمجاد السلطنة وتكريسها بالقوة من خلال إعادته رموز الخلافة العثمانية “الطغراء” -علامة السلطنة وختمها- للرئاسة التركية وتكرار وصايا السلطان سليم وتذكيره للأتراك بأنهم أحفاد محمد الفاتح مع استعادة الهوية الدينية الإسلامية، والتي تكتمل جزئياتها في إعلان رغبته التمدّد على كامل مساحة الشمال السوري وصولا إلى الشمال العراقي. أما ثالثها فهي حسابات “المستقبل القريب” في انتخابات عام 2019 التي يجري التحضير لها وسط رغبات للحدّ من المشكلات الأمنية والاقتصادية وأزمة اللاجئين، لتحقيق حزب العدالة والتنمية الغالبية البرلمانية والفوز بالرئاسة، وفي “المستقبل الأبعد” وبعد مرور مئة عام على توقيع معاهدة لوزان عام 1923 التي ثبتت بموجبها حدود الدولة التركية، تتزايد الرغبة التركية في تحسين بنودها مثل رفع القيود عن استخدامها المضائق المائية وتحصيل رسوم من السفن المارة عبر مضيق البوسفور وحفر قناة جديدة تربط بين البحرين الأسود ومرمرة المحظورة ضمن بنود المعاهدة في زمن الحرب والسلم، وغيرها من البنود والتي تفسر مخاوف الغرب خلال معركة الرقة والموصل كونها تتماشى مع رغبة وإغراءات الامتداد داخل سوريا والعراق وفرض أمر واقع فيها.

الحرب في سوريا لم تفتح فقط حدود البلد للتدخلات والصراعات الخارجية إنما لعودة الشهوات الاستعمارية وإعادة رسم الخرائط لسوريا ولجوارها والتي ستمتد تداعياتها لتشمل الشرق الأوسط إن لم يكن بتغيير الجغرافيا فبتغيير بنية هذه الدول لتواكب شرقا أوسط مختلفا.

9