سوريا وفنون القتل

الاثنين 2014/09/01

الصور المروعة التي تتوارد عبر وكالات الأنباء والقنوات التلفزيونية هذه الأيام، والتي تصور ذبح الجنود السوريين شبه العراة وتبين كيف يساقون إلى الذبح، وكيف تقطع رؤوسهم أمام الكاميرات صارت تثير الرعب عبر العالم، ورعب السوريين أنفسهم بمن فيهم السكان الذين كانوا على مرمى مدفعية هؤلاء الجنود طوال الأشهر السابقة، السوريون مرعوبون من هذه الطرق الوحشية للقتل، رغم معرفتهم بأن هؤلاء الجنود، لو قدر لهم الفوز، ما كانوا ليوفروا أرواح السكان العزل ولا بيوتهم، ولنهبوا أثاث البيوت وأحرقوها بنفس الوحشية التي يخضعون لها الآن أمام الكاميرات.

السوريون يشعرون بالفجيعة من طرق الذبح وصور قطع الرؤوس الوحشية، تماما كما يشعرون بالفجيعة من طرق النظام بذبح أبنائهم المعتقلين عبر خنقهم في الظلمات المخابراتية حتى الموت.

المفارقة هي أن الشبيحة وأنصار النظام يهللون لهذا النوع من الذبح البطيء الصامت أو على الأقل يتواطؤون بتجاهله، بينما يرفعون عقيرتهم عاليا وهم يستنكرون فن القتل الصحراوي المقابل، والذي يستمتع به المتطرفون الدينيون ويعتبرونه ذبحا شرعيا للكفار وللمرتدين وما إلى ذلك من صفات سوداء يلصقونها بكل من يعارضهم الرأي أو الاجتهاد أو حتى من يختلف معهم في تفصيل صغير من تفاصيل القتل نفسها.

عبر السنوات السوداء الثلاث الماضية تبلورت شراهية الأطراف للقتل والاستمتاع به، وبرز نوعان من القتل السوري اللذان أثارا اشمئزاز العالم كله هما؛ القتل خنقا في المعتقلات حتى التعفن، والقتل ذبحا بقطع الرؤوس أمام الكاميرات والتلذذ باستعراض الذبح وتعليق الجثث، إلى درجة أن أحد “الذابحين” أصر على ابنه الصغير أن يحمل رأسا مقطوعة لتصوره الكاميرا وليمثل حسب زعمه انتصار الإسلام والمسلمين.

هاتان الطريقتان للقتل تلخصان قرنا من تاريخ سوريا، فالقتل بالاعتقال والخنق في الظلمات حتى الموت هو من ابتكار أجهزة المخابرات بمختلف مسمياتها، والمتفرغة لحماية القائد و”النظام الحديث الذي يتآمر عليه هؤلاء الخونة” الواجب قتلهم بلا رحمة، من أجل أن “تدخل بلادنا مسار الحداثة القومية” بإبعادها الاشتراكية خلال فترة النهوض الاشتراكي التي خلفت آلاف المعتقلين والمشوهين والمعطوبين نفسيا وجسديا.

طريقة القتل الثانية بقطع الرؤوس، أكثر ترويعا، لا لأنها فقط قاسية ووحشية بل لأننا اعتدنا كسوريين وكمواطنين، طريقة الموت الأولى وذلك بتبادل أخبار موت المعتقلين سواء في الزنزانات أو بعد خروجهم منها، وصارت طريقة القتل الأولى رسمية ومألوفة ولا تثير الكثير من الصخب لدى الناس بسبب طول معاشرتها، خاصة بعد مرحلة مجازر الثمانينات. الأحزاب والتجمعات الدينية والتي كانت هي الضحية الكبرى لطرق التعذيب الحديثة، انتشلت من التراث القديم طرق القتل المدهشة وأخذتها من بين أيدي الحجاج بن يوسف الثقفي وأمثاله من سفاحي التاريخ القديم، وأعادتها كتراث ديني مقدس، لا يجوز استنكاره أو التشكيك بمرجعيته أبدا.

طريقتا القتل البارزتان اليوم في سوريا تلخصان فهمنا للحداثة من جهة، وفهمنا للتراث الإسلامي من جهة أخرى.

لم نفهم من الحداثة ولم يرسخ في أذهاننا منها إلا القسر والإجبار على الأفكار والمعتقدات، وهذا ما انتهجه اليساري والبعثي بشكل أوضح ضد كل من يعادي مذهبه “الحداثوي” اعتبارا من طريقة النقاش الاتهامية، وانتهاء بالقتل في الزنزانات المظلمة والمتفق على سطوتها وقدرتها السحرية على تأديب المواطنين المراد ترحيلهم إلى العصر الحديث.

ولم يفهم الجانب المتطرف الإسلامي وأعوانه من الدين إلا طريقة الذبح بقطع الرؤوس، فالإسلام، في نظرهم، طريقة تعذيب وإجبار وإكراه، وليس دينا حنيفا له أبعاده الإنسانية والحضارية التي نشرها عبر العالم إبّان ازدهاره، فالإسلام وبعد مئة عام من انهيار الخلافة العثمانية بالنسبة لتنظيماتنا الدينية هو هذا الاستعراض المراهق لطرق القتل الوحشية والتلذذ بها.

طريقتا القتل بالاعتقال وبقطع الرؤوس تلخصان القشور التي استوعبناها عبر التلقين، فالحداثة لا تُفرض إلا بالاعتقال وبالقتل غير الصريح، وكذلك الإسلام لا يفرض إلا بالقتل الصريح المثير للهلع.


كاتب وروائي سوري

9