سوريا 9/11

الأربعاء 2013/09/11

أكتب هذا المقال مساء الاثنين ولا أعلم إذا كانت الضربة الأميركية لسوريا حدثت الثلاثاء أو أنها ستحدث في موعد النشر في الحادي عشر من سبتمبر أم لا. إن صوَّتَ الكونغرس اليوم لصالح الضربة فاعتقد أن الولايات المتحدة ستستغل ذكرى أحداث سبتمبر التي توافق اليوم لتنفيذها

فهذه الذكرى غيرت وجه العالم وشكلت سياسة دولية جديدة ستمنح الرئيس الضعيف أوباما بعض القوة ليتخذ قراراً كهذا. والحقيقة أنه لم يوجد حدث ترك هذا الأثر البالغ على العالم كما فعلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي سمحت للإدارات الأميركية المتعاقبة بالتدخل في أي بقعة في العالم تحت حجة مكافحة الإرهاب تارة، وأسلحة الدمار الشامل تارة أخرى، وجعلت كذلك توجيه الضربات الأميركية للقاعدة أمراً مقبولاً في العالم.

من الواضح أن عملية ضرب البرجين كانت لاستدراج الولايات المتحدة للدخول في حرب مفتوحة مع التنظيم الذي استغل المعايير الأميركية المزدوجة في التعامل مع القضايا الإسلامية لتبرير العملية. كما استغل في مرحلة لاحقة نظرة الدبلوماسيين الغربيين إلى الحرب ضد الإرهاب على أنه صراع قديم، وعملت على إقناع الشباب المسلم حول العالم بأن أميركا في حرب ضد الإسلام وأنها حامية الدين والمدافع عنه ضد ما وصفته بالحرب الصليبية ضد المسلمين. وقد كانت الحرب ضد أفغانستان ثم العراق ومقتل الآلاف من الأبرياء تحقيقاً لحلم القاعدة في تصوير الحرب ضد الإسلام وتعميق الكراهية وانتشار مساحة العداء بين الغرب والعامة من المسلمين وساهم في ذلك سقوط الشعارات التي ترفعها الولايات المتحدة كحقوق الإنسان والحرية والكرامة في غوانتانامو وسجن أبو غريب.

الولايات المتحدة لم تستوعب أنه لا الجيوش ولا الأسلحة تستطيع تحطيم الأيديولوجيات، وغاب عنها أنها دولة محدودة بحدود جغرافية تواجه تنظيماً لا يحده حدود ولا يتطلب الانضمام له سوى الاستعداد للقتل والترحيب بالموت. ولو أن الحكمة سادت وتم التعامل مع الحدث باعتدال لأصبحت القاعدة طي النسيان ولكان زعيمها قد لقي حتفه على يد أعدائه الطاجيك، دون أن تضطر أميركا إلى تدمير دولتين واكتساب عداء الجيل الصاعد فالغالبية العظمى من المنضمين للقاعدة الآن هم يتامى بن لادن والزرقاوي.

والسؤال الآن: هل فشلت الولايات المتحدة بالفعل في استيعاب درس التاريخ، أم أنها كانت تريد نفط القوقاز والاقتراب من الدب الروسي ووقف المد الهندي الصيني ومنحها بن لادن تلك الفرصة؟ كلاهما وارد بشدة.

هنا اختبار حقيقي ليتبين أيهما الأقرب للصواب ويحدد ذلك طبيعة الضربة المتوقعة لسوريا والجهة التي تتلقاها. فهل سيتلقاها النظام السوري أو جبهة النصرة أو كليهما أو جميع التنظيمات بما فيها الجيش الحر؟ كما أن حجمها ومدتها الزمنية والمعايير الأخلاقية للحرب لها تأثير كذلك لأنها في نهاية المطاف ستشكل رأياً عاماً مستقبلياً يؤكد أو ينفي الحجة الإنسانية المقدمة للتدخل العسكري، والتي أشك كثيراً في صحتها. ومن المؤكد أن أي تجاوز للأهداف العسكرية سيمنح طبيعة ونوع الفكر القاعدي الجديد الذي صرح به أحد المقبوض عليهم في عملية تفخيخ أودت بحياة بعض الأطفال والنساء في باكستان حينما تساءل «من قال أنهم أبرياء؟» والطائرات الأميركية بدون طيار تعمل وفق هذا المنطق تماماً لا فرق لديها بين ضحاياها، سيمنح هذا النمط من التفكير مصداقية عالية لدى الأجيال الشابة.

لا زالت أفغانستان تعاني من تردي الاقتصاد والخدمات الاجتماعية وانتشار السلاح رغم مرور أكثر من عقد على سقوط الطالبان، وكذلك الحال مع العراق مع الفارق، ولا نريد لسوريا أن تكون كذلك فلا ينبغي للضربة العسكرية أن تتجاوز تدمير أسلحة النصرة والنظام. الشباب المنضوي تحت لواء القاعدة لا يملك الثقافة الدينية العميقة وهذا ما سمح للقوى السياسية استغلال جهلهم لأغراضهم وأهدافهم الخاصة فهم واقعون تحت تأثير أسباب عدة منها النشأة الاجتماعية والأسرية والتحريض المستمر، وما الدين إلا قناع للأفكار المتطرفة التي تغذيها مواقف السياسة الدولية من قضايا الأمة.على الولايات المتحدة التي تكيل بمكيالين في تعاملها مع الإرهاب فتشجعه في مصر وتضربه في سوريا، أن تعي أن الإخوان والقاعدة لم يلعبا أي دور في الربيع العربي، ولكنهما يستغلان الفوضى التي تنشأ أثناء أو بعد الثورات للدخول والتمكين لنفسيهما رغم أن الشعب الذي قام بالثورة لم يهدف بل ولا يريد النموذج الإخواني أو الطالباني في الحكم، وما الثورة في مصر وحرب جيشها في سيناء ضد تنظيم القاعدة إلا دليل على رفض الشعوب للعبة الأميركية.

كما عليها أن تعي أن جماعات العنف المسلح هم خارج سيطرة المؤسسات الدينية التقليدية أو العلماء المعتبرين، وأن القاعدة كيان عنقودي متحرك يتكاثر على شكل خلايا باستقلالية شبه كاملة مما يعني استحالة استئصاله بالعمل العسكري منفرداً. وحينما تحاول أميركا ذلك إنما تساهم في زيادة حالة العداء ضدها وضد الحكومات المتزنة في المنطقة، وتساهم في نشأة المزيد من التنظيمات نتيجة للتجاوزات اللاإنسانية المحتملة خصوصاً في حالة ارتفاع عدد الضحايا سواء من المدنيين الأبرياء أو من المُغَرَر بهم. الولايات المتحدة لا تكف عن ارتكاب الأخطاء، التي قد يراها البعض أخطاء متعمدة في إطار خطة شاملة، كعدم وضع أي اعتبار للتعدد والتنوع الثقافي في بلدان الربيع العربي وأنها شعوب تسعى للديمقراطية حسب رغبتها، لا حسب التفصيل الأميركي الذي جعلها تعمل لإنشاء ما وصفه تقرير راند بالإسلام المعتدل وطرح الإخوان المسلمين كممثل له بمخالب القاعدة وتنظيماتها.

نموذج ولاية الفقيه الذي نجح في العراق لا يمكن أن ينجح في دولة كمصر أو سوريا فلا تستطيع الشعوب هناك التوافق مع ولاية الفقيه في نسختها السنية، لذا فأي محاولة للتمهيد لهذا النوع من الحكم لمرحلة ما بعد بشار من خلال نوع الأهداف المحتملة «للتوماهوك» لن يحالفه النجاح بل سيكون سبباً في فوضى تستمر لعقود. فهل هذا ما تبحث عنه الولايات المتحدة؟ خطوط الغاز تقتضي الفوضى أو الحكم الموالي والثانية لن تسمح بحدوثه روسيا والصين.

قد يكون للمُخَطِط الاستراتيجي الأميركي رؤيته التي يعتقد بصحتها ونعتقد بسذاجتها والتي تعتمد على أن التنظيم المقبول لديهم هو تنظيم الإخوان المسلمين الذي يُشكل لديهم الإسلام المعتدل على اعتبار أنه ومنذ نشأته عام 1928 حتى ولادة تنظيم القاعدة لم يكن أياً من القادة من أهل التخصص الشرعي بل ممن يحملون درجات علمية من جامعات غربية.

وهذه نقطة ضعف خطيرة لأن أهل الاختصاص وعلماء الدين والشريعة هم أبعد الناس عن دعوات التخريب أو استدراج الخصم في حالات الضعف أو حرق البلاد وتدميرها، أما أولئك فهم إلى كل هذا أقرب. ولا يجب أن ننسى أن القاعدة ابنة الإخوان والنصرة حفيدتهم.وهو ما يعني باختصار أن تتركز الضربة إن حدثت على الجانب العسكري لنظام بشار ولجبهة النصرة سوياً بالتزامن مع وقف التحريض ومعاقبة المحرضين والرد على الشبهات التي يثيرها أعضاء القاعدة لنضمن سوريا مستقرة في مرحلة ما بعد بشار. عدا ذلك فأهداف الحرب، إن حدثت، أبعد بكثير مما يمكننا تخيله.


كاتب سعودي

8