سوريون يتحايلون على الحرب في تدبير شؤون حياتهم

تحويل النفط الخام إلى مازوت وبنزين وغاز بطرق بدائية، وكهرباء المولدات والإنترنت الفضائي تجارة مربحة.
الاثنين 2018/10/08
تجارة فيها ثراء

دمشق - أوجدت الحرب التي تشهدها سوريا منذ ما يزيد على ثماني سنوات مهنا جديدة لم تكن معروفة لدى السوريين من قبل، واختلفت تلك المهن باختلاف المناطق السورية وحاجة أهلها اليومية إلى تسيير أمور حياتهم اليومية والمعيشية.

ففي محافظتي دير الزور والحسكة شمال شرق سوريا تتركز أغلب حقول النفط، وتعرضت مصافي النفط للتخريب، ما أوجد حالة بدائية لتكرير النفط انتشرت في عموم المحافظات الشمالية التي انقطعت عنها المشتقات النفطية القادمة من الحكومة السورية.

يقول المهندس محمد علاوي ابن محافظة دير الزور “بعد توقف محطات التكرير الرسمية وانقطاع المشتقات النفطية عن شمال وشرق سوريا انتشرت المئات من الحراقات النفطية في دير الزور والحسكة والرقة وريف حلب، وصولا إلى محافظتي إدلب وحماة، حيث تقوم تلك الحراقات بتحويل النفط الخام عبر تعرضه للنيران وتحويله إلى مواد نفطية (مازوت – بنزين – جاز)، حيث أوجدت هذه الحراقات فرص عمل للآلاف من الأشخاص بالتكرير والبيع، رغم ما حملته تلك الحراقات البدائية من آثار كارثية، حيث سقط العشرات إن لم يكن المئات من المصابين حرقا والبعض منهم تعرض للوفاة”.

ويضيف المهندس علاوي “مهنة تكرير النفط لم تكن معروفة في سوريا على الإطلاق، ولكن الحاجة إلى المشتقات النفطية وخاصة المازوت والسولار والبنزين للسيارات والآلات الزراعية وغيرها أوجدت سوقا لتلك المشقات، التي طورها البعض من التكرير البسيط إلى جلب محطات تكرير كبيرة كانت هدفاً لطائرات التحالف الدولي التي دمرت العشرات من تلك المحطات تحت بند محاربة تنظيم داعش وقطع موارده المالية”.

إنتاج هذه الحراقات التي أصبحت مصدر رزق، يباع إما بشكل مباشر وإما للاستهلاك وخاصة أصحاب المنشآت التي تحتاج إلى المازوت.

حاجة الناس إلى التواصل مع عائلاتهم وتسيير أعمالهم أوجدت الإنترنت الفضائي الذي لم يكن معروفا

يقول محمد أسعد من مدينة الطبقة في ريف الرقة الغربي “بعد انقطاع كل المشتقات النفطية عن المحافظة، كان البديل الاعتماد على الحراقات سواء كانت الشخصية أو التجارية، وانتشرت المئات منها جنوب بلدة المنصورة في ريف الرقة الغربي، بينما ينقل إنتاجها إلى مدينة الرقة وريفها حيث المئات من مراكز التوزيع الصغيرة على الطرقات وفي القرى والبلدات”.

ويضيف “أعمل مساعد مهندس زراعي، وأدرك مخاطر تكرير النفط بالطريقة البدائية على التربة والزراعة، ولكن ليس باليد حيلة، إلا أن انتقال عملية التكرير من حالة الاكتفاء الذاتي إلى التجارة أوجد الكم الكبير من تلك الحراقات، وأوجد سوقا واسعا للنفط الخام في عموم مناطق سيطرة المعارضة وسط وشمال سوريا”.

على طريق الرقة الطبقة، حيث تنتشر العشرات من محال بيع المواد النفطية والتي لم تكن موجودة قبل عام 2011، يقف أبوعبدالله الرجل الخمسيني بملابسه الملوثة بالنفط تحت أشعة الشمس الحارقة لبيع ما قام بشرائه من الشاحنات التي تنقل النفط من محافظة الحسكة.

سو

يقول “خلال فترة سيطرة الجيش الحر وداعش، كان النفط الخام يصل إلينا من محافظة دير الزور ونقوم بتكريره وبيعه، أما حاليا وبعد توقف بيع النفط الخام، أصبحت المواد النفطية تصلنا عبر شاحنات كبيرة ونحن نقوم ببيع تلك المواد للمستخدمين مع هامش ربح نعيش منه”.

خلال تسعينات القرن الماضي، أصبحت محافظة الرقة أول محافظة سورية منارة بالكامل من سد الفرات الذي كان يزود عددا من المحافظات السورية بالكهرباء. ومع بداية عام 2013 اشتدت المعارك مما أدى إلى تدمير شبكة الكهرباء ومحطات التحويل، وأصبحت مدينة الرقة بالكامل دون كهرباء الشبكة العامة.

انقطاع الكهرباء دفع الأهالي إلى الاعتماد على المحولات الصغيرة ومن ثم التحول إلى شبكات الأمبيرات التي أصبحت منتشرة بشكل كبير جدا في الريف والمدن بالاعتماد على نظام الاشتراك الأسبوعي والشهري حتى أصبح البعض ممن يزودون هذه الخدمة يعرفون بالأمبيرات.

يقول محمود الأمبيرات، الذي يمتلك مجموعة مولدات كهرباء في ريف الرقة، “تنتشر المئات من المولدات في محافظة الرقة وهناك أكثر من 150 مزودا في المدينة لوحدها بسبب عدم وجود الكهرباء، لذلك تقوم تلك المولدات بتغطية حاجة الناس إلى الكهرباء وفق نظام شرائح وحسب حاجة المستهلك وعلى مرحلتين صباحية ومسائية”.

ويضيف “أصبحت معروفا في المنطقة بمحمود الأمبيرات ونسي الناس اسمي الحقيقي… في القرى الصغيرة التي لا توجد جدوى من تركيب محولة كبيرة، يعتمد سكان القرى على محركات صغيرة لتوليد الكهرباء التي تحمل مخاطر وخاصة في فصل الصيف الحار، وشهدت المنطقة عدة حوادث انفجار لتلك المحولات الصغيرة وسببت حرائق وأضرارا لأصحابها، والبعض من السكان أصبحوا يعتمدون على الطاقة الشمسية لإنارة المنازل وكذلك ضخ المياه للمنازل وللزراعة.

قطعت الحرب كل أنواع الاتصالات الخلوية والأرضية عن محافظة الرقة منتصف عام 2013، وتعرض برج الاتصالات الرئيسي للقصف الجوي، وبذلك أصبحت المحافظة خارج دائرة الاتصال السورية والدولية، بل معزولة عن العالم، إلا أن هذا الأمر لم يدم طويلا، وبعد أشهر قليلة دخل الإنترنت الفضائي إلى المحافظة قادما من تركيا، وما هي إلا أشهر قليلة حتى أصبحت المحافظة تعج بمزودي الإنترنت الفضائي بحيث غطى المدينة وريفها”.

سوري

يقول المهندس حسام العمر، أحد مزودي خدمة الإنترنت في محافظة الرقة، “الإنترنت الفضائي لم يكن معروفا في سوريا على الإطلاق، ومن يحمل جهاز اتصال عبر الأقمار الاصطناعية كان يحتاج إلى موافقات كثيرة جدا، أما الإنترنت الفضائي فقد تعرفنا عليه عبر دراستنا الجامعية والأبحاث التي تنشر على الإنترنت، ولكن حاجة الناس إلى التواصل مع عائلاتهم وتسيير أعمالهم، أوجدت الإنترنت الفضائي الذي هو أعلى كلفة من الإنترنت العادي، دخل الإنترنت الفضائي المحافظة نهاية عام 2013 وانتشر بسرعة هائلة، وتحول الأمر إلى مشاريع تجارية، وبلغ عدد مزودي الخدمة في مدينة الرقة منتصف عام 2014 حوالي 1500 مزود، وبذلك تكون مدينة الرقة أول مدينة في العالم تعتمد على الإنترنت الفضائي في الاتصالات بشكل كامل عبر تطبيقات برامج وسائل التواصل الاجتماعي فيسبوك وسكايب ووتسآب وفايبر وغيرها”.

هذه الطفرة في انتشار الإنترنت لم تدم بعد سيطرة تنظيم داعش على المدينة ومراقبته صالات الإنترنت مراقبة شديدة.

يقول عبدو أبوالحزوم، أحد أصحاب صالات الإنترنت والذي هرب إلى تركيا بعد ملاحقته من قبل عناصر تنظيم داعش لاستخدام صالته لبث صور من مدينة الرقة حول مقرات تنظيم داعش، “العديد من أصحاب صالات الإنترنت تعرضوا للاعتقال والسجن والضرب والاختفاء لاتهامهم بأنهم ضد داعش وبثهم صورا لعناصر التنظيم ومقراتهم خاصة بعد تعرض تلك المقرات لقصف من قبل التحالف الدولي”.

ويضيف “أخبرني صديقي بأن عناصر داعش تطوق صالة الإنترنت التي أمتلكها، وأحمد لله أني لم أكن موجودا، فقاموا بتفتيش الصالة والكمبيوترات والبحث عني، وعندها هربت إلى منطقة تل أبيض ومنها عبرت إلى تركيا”.

وحول انتشار الإنترنت الفضائي حاليا في مدينة الرقة، يقول أبوالحزوم، “بعد خروج داعش من الرقة عدت إلى المدينة، وأعمل في مجال الإنترنت الفضائي الذي انتشر كثيرا في الفترة الأخيرة، ولكن أعتقد أنه لن يستمر انتشاره طويلا بعد بدء عودة شبكات الاتصالات الخلوية السورية إلى المحافظة، فهي أقل كلفة من الإنترنت الفضائي”.

سو

 

20