سوريون "يغزون" كورنيش الإسكندرية بالأطباق الشامية

تأقلمت المدن المصرية مع الوافدين الجدد من سوريا بشكل سريع، بل غدا السوريون في المدن المصرية عاملا مهنيا واقتصاديا متميزا حسب ما تشير إلى ذلك معظم الحالات.
الأربعاء 2018/10/10
مطاعم ابتدأت صغيرة ثم توسعت وانتشرت

الإسكندرية (مصر) – اعتادت المدن المصرية الكبيرة على الاحتفاء بالناس من كل جنسيات العالم، وأن تفتح هذه المدن، وخاصة القاهرة والإسكندرية، أبوابها لاستقبال كل الغرباء الذين يفدون عليها سواء أكانوا فرادى أم جماعات.

والتقت العديد من الأعراق في مدينة الإسكندرية عبر تاريخها العريق الممتد على الآلاف من السنين، حتى أصبحت في نسيج واحد مصري الشكل والمضمون.

 

انتشر السوريون في دول العالم كلاجئين لكن أغلبهم سعى لأن يكون عنصرا فاعلا في البلد الذي حل به، فبعثوا مشاريع يتمحور أغلبها في المطاعم ومحلات الحلويات التي اشتهرت بها بلاد الشام، ونجحوا في أن يجعلوا الناس يتذوقون الأكل الشامي المتنوع. وفي مصر، حيث لم تشكل اللغة حاجزا أمام العمال والمستثمرين السوريين، فإن هؤلاء سرعان ما اندمجوا إلى درجة أنهم أصبحوا يحسون أنفسهم مصريين لا لاجئين، وفي الإسكندرية باتوا يتحدثون اللهجة المصرية لكنهم يقدمون الكفتة والكباب لزبائنهم.

ففي هذه المدينة على ضفاف البحر المتوسط عاش العرب والأفارقة واليونان والطليان والترك وغيرهم، حتى أصبحت لديهم أحياء كاملة بأسمائهم، كالحي اليوناني والإيطالي والكثير من المحال والأبنية التي تحمل ملامح متوسطية مختلفة.

السوريون أيضا عاشوا وعمّروا في الإسكندرية التي تعتبر العاصمة الثانية في مصر، لكن ازداد عددهم مع بداية الأزمة السورية حيث اضطر الكثيرون إلى ترك وطنهم الأم، وهاجر من السوريين ما يقارب الخمسمئة ألف شخص استقروا في مصر بحسب تقديرات غير رسمية، عاشوا بين أهلها بشكل طبيعي ومنسجم تماما، منهم مئة ألف في الإسكندرية، وتأقلمت المدن المصرية مع الوافدين الجدد من سوريا بشكل سريع، بل غدا السوريون في المدن المصرية عاملا مهنيا واقتصاديا متميزا حسب ما تشير إلى ذلك معظم الحالات.

وعلى الكورنيش الطويل في مدينة الإسكندرية تنتشر العديد من الاستثمارات المختلفة التي بعثها سوريون خاصة في مجال المطاعم والملابس والمفروشات والحلوى والعطارة وباتت ملمحا أساسيا في المدينة.

فعلى امتداد الكورنيش الذي يقارب طوله الـ11 كيلومترا، تنتشر محال سورية تقدم غالبا خدمات التغذية والطعام. فهنالك مطعم اللقمة الشامية وياسمين الشام والوجبة الدمشقية، وغيرها من المطاعم التي تقدم الوجبات السورية مثل الفلافل والحمص، إضافة إلى محلات الحلويات.

وفي منطقة قريبة من فندق الشيراتون على الكورنيش تماما، يعمل حسام في مطعم “ياسمين الشام”، الذي أسسه له والده قبل ستة أعوام ليؤمن لهم الدخل اللازم للحياة. وفي المطعم عدد من العمال السوريين الذين قدموا لأسباب شتى، يجمعهم قلق مشترك على وطنهم ويغلبهم حنين واحد للديار كما يقول أحدهم. هؤلاء يعدون الطعام السوري الذي يحبه المصريون بمختلف أنواعه وأصنافه.

أما الذين بعثوا مشاريع صغيرة في مدينة الإسكندرية فهم من السوريين الذين استطاعوا الخروج ببعض المال معهم، أما البقية فقد اشتغلوا مع هؤلاء السوريين أصحاب المحلات التجارية ومن لم يتمكن من ذلك فلم يبق عاطلا عن العمل وإنما اشتغل مع المصريين في مشاريعهم، حتى أن السوريين في هذه المدينة المتوسطية لا يعتبرون أنفسهم لاجئين بل مهاجرين يعيشون من عملهم ويساهمون في الدورة الاقتصادية للبلاد.

ويقدم مطعم ياسمين الشام الشاورما بأنواعها وأكلة الفتات بأنواعها والدجاج المشوي والمسحب، واللحم بعجين وصفائح اللحم، والكباب والشيش طاووق، والكبة والكفتة، إضافة إلى الأكل العصري كالبيتزا، وحتى الأكل المصري كوجبة الكبدة الإسكندرانية.

ويؤكد حسام أن العمل في الإسكندرية مريح، مضيفا “نحن عملنا منذ البداية في مطعمنا على توفير خدمات أفضل وبأسعار أقل، وبنينا ثقة كبيرة مع الناس في المدينة، كانت البداية متعثرة، لكنها سريعا ما تحسنت، وصرنا أصحاب عمل متطور وجيد.. بدأت بالعمل مع والدي وأخي الأصغر في مطعم واحد، والآن لدينا ثلاثة فروع في ثلاثة أماكن متفرقة في الإسكندرية”.

وأضاف، “نحن نعمل بجد ونحاول أن نجد حلولا للمشكلات التي تعترضنا. المجتمع المصري تقبلنا بكل أريحية وعاملنا كالمصريين تماما، وبتنا جزءا من المشهد المصري اليومي تماما، صار لنا جيران ومعارف وأصدقاء من المصريين، وبتنا نتحدث بلهجتهم الجميلة، والأمور تسير بانسجام تام، كثيرا ما أنسى أنني أنتمي في الأصل إلى مجتمع آخر، ما أحاطنا به المصريون من حب وعناية لا يمكن وصفه بكلمات”.

حسام، لا يعرف ما الذي ستؤول إليه حاله بعد انتهاء الأزمة السورية، ولا يعرف هل سيعود للوطن أم يبقى هنا، ويؤكد أنه سيؤجل الجواب عن السؤال حتى ما بعد الوصول للمرحلة، وحينها سوف يركز للبحث عن الإجابة، قائلا، “الأمور الآن تسير بشكل جيد معنا هنا، ولا نعرف ماذا يخبئ لنا المستقبل”.

قائمة طويلة من الطعام الشامي، منها الفتة بأنواعها وصفائح اللحم والكباب والشيش طاووق والكبة والكفتة، بالإضافة إلى أنواع عديدة من الطبخ الشعبي المعروف في البيوت والمطاعم السورية
قائمة طويلة من الطعام الشامي، منها الفتة بأنواعها وصفائح اللحم والكباب والشيش طاووق والكبة والكفتة، بالإضافة إلى أنواع عديدة من الطبخ الشعبي المعروف في البيوت والمطاعم السورية

وفي الشارع الخلفي من هذا المكان، وعلى مسافة لا تتعدى الواحد كيلومتر، يقع حي موريتانيا، وكان يسكنه بحسب الحج نديم، الرجل المصري الطاعن في السن والساكن بالمكان، طلاب أزهريون يدرسون في المعهد المجاور والتابع للأزهر الشريف. وكان يسكن الحي طلاب من موريتانيا، فسمّي الحي باسم بلدهم. وفي هذا الحي، وجد السوريون ضالتهم، فهو قريب من الكورنيش، ويتفرع عن شارع جمال عبدالناصر الكبير، لذلك سكنه الكثير منهم وأسسوا محلات للطعام والحلاقة والبقالة.

أبوبشار التراس، الذي وصل إلى الحي قبل سنوات الأزمة بعامين مع ابنه الذي يعمل في المطاعم، يبدي تفاؤلا كبيرا بالمستقبل، فهو رجل ستيني، سافر كثيرا وبعيدا حتى وصل إلى بروناي شرقا ثم عاد إلى مصر، ليبعث بجانب مقهى يحمل اسم “نجمة موريتانيا” مطعما صغيرا يحمل اسم “جوري الشام”، يرتاده سوريون ومصريون والكثير من العرب، وهو يعمل في تحضير وجبات طعام غربية وسورية لكل الساكنين في الحي.

التراس يبدو أكثر اندفاعا للعودة إلى وطنه سوريا، فهو يؤكد أنه سيعود إلى بلده في اليوم الثاني الذي يتأكد فيه أن الأمور انتهت وصارت مهيّأة لعودة الناس إليها.

ويقول متذكرا أيامه في الشام، “كنت أعمل في مطعم، وكان لدي واحد في منطقة الميدان المعروفة بتقديم أصناف الطعام القديمة الشهيرة، ثم انتقلت للعمل في محل بمنطقة نهر عيشة، وهي منطقة تجاور دمشق تماما، وكنت أعمل أحيانا في تجهيز الطعام للفرق الفنية وفرق السهر، وكذلك لفرق تصوير المسلسلات التلفزيونية، ولي فيها صداقات حتى الآن، كنا نحضر الطعام، ثم نجلس مع الفنانين لنغني ونطرب، تلك الأيام كانت جميلة ورائعة أتمنى أن تعود سريعا، لأن البلد قد أرهقته سنوات الحرب وبات الناس في حال سيء ومزاج معكر، الآن لا أستمع بوقتي، أقضي معظم يومي في العمل”.

ويضيف بشيء من الشوق، “زرت نصف دول العالم، ولي فيها ذكريات، ولكنني أحن إلى بلادي، دمشق، التي ولدت فيها وعرفت الحياة فيها، وأحاول دائما أن أعلم أولادي أننا يجب أن نعود إليها بمجرد أن تنتهي هذه الغمّة التي حلت علينا. بلادنا جميلة وناسها طيبون ويحبون بعضهم، وأنا أراهن على أنها ستعود بسرعة إلى الحال التي كانت عليها سابقا أو أفضل”.

الأكلات الشامية في الإسكندرية
الأكلات الشامية في الإسكندرية

 

20