سوريون ينقلون حكايات التاريخ إلى لوحات الفسيفساء

إبداعات الحرفيين تتوزع على الجدران والأرضيات في المنازل والمحلات العامة، وتصاميم اللوحات الفسيفسائية مستوحاة من حياة السوريين.
الاثنين 2019/02/18
لوحة حية من الحجارة الملونة

تعتبر الفسيفساء من الفنون العريقة في سوريا حيث تعود نشأتها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة. وتعد الفسيفساء السورية من أجمل أصناف الفسيفساء في العالم نظرا إلى التقنية العالية في تصنيعها وغنى الموضوعات التي تجسدها وتصويرها لأنماط الحياة البشرية على مدى الحقب الزمنية الماضية. كذلك ارتبط هذا الفن منذ القدم بالعمارة والزخرفة وتجلى ذلك على الجدران والأرضيات في القصور ودور العبادة، وما زال لهذا الفن في عصرنا الراهن مبدعوه وحرفيوه في مختلف المدن السورية الذين ينقلوننا من خلال لوحاتهم إلى حكايات التاريخ.

دمشق – حرفة صناعة الفسيفساء تعود من جديد إلى المدن السورية على أيدي مجموعة من محبي وعشاق هذا الفن العريق الذي تمتد جذوره إلى أيام السومريين والبيزنطيين والرومان والعرب الذين تفننوا في إظهار أشكاله لتعكس تطور هذه الحضارات.

حرفة الفسيفساء من أقدم فنون التصوير يقول عنها الحرفيون السوريون إنها تنقسم إلى نوعين، فسيفساء حجرية وأخرى زجاجية؛ إذ تعتمد الحجرية على الحجر الموجود في الطبيعة حيث يتم أولا رسم مناظر الشخصيات والرسوم الهندسية على قطعة قماش بيضاء ثم يجري البحث عن الأحجار ذات الألوان التي تخدم التصميم، وبعد قص هذه الأحجار بمقاسات وسماكات محددة، توضع على اللوحة لتأخذ مكانها وتلصق بواسطة مادة لاصقة وتحاط بإطار حديدي ثم تترك لتجف لتبدأ بعدها عملية الشحذ لسطح اللوحة لإزالة ما علق بها.

أما اللوحة الفسيفسائية الزجاجية فيتم إنجازها عبر رسم الشكل المراد تصميمه بواسطة أقلام فحمية على قطعة من الورق أو الكرتون المقوى، ثم توضع فوقه قطعة من النايلون الشفاف لحفظ الرسم وتستخدم بعدها القطع الزجاجية الملونة ليتم تثبيتها بالمادة اللاصقة وفق هندسة الشكل وتوضع على قطعة رخامية أو خشبية بنفس مقاس اللوحة لزيادة تماسكها.

يقول أحمد الرباط (55 عاما) الذي يمتهن حرفة صناعة الفسيفساء في محله منذ أكثر من 40 عاما في سوق المهن اليدوية بالتكية السليمانية في العاصمة دمشق، إن مهنته متوارثة عن آبائه وأجداده، وهي مهنة عريقة تعود إلى عهد السومريين ثم الرومان وتطورت في العهد البيزنطي لأن البيزنطيين أدخلوا عليها صناعة الزجاج والمعادن.

لوحات ذات قيمة تاريخية
لوحات ذات قيمة تاريخية

ويتم التعامل مع الفسيفساء على محاميل مختلفة سواء على الحائط أو على الخشب أو على الخزفيات والفخاريات إضافة إلى الزجاج حيث يتم جمع المكعبات الصغيرة ودمجها مع بعضها البعض لإنجاز لوحات تستخدم لتزيين الفراغات الأرضية والجدارية وتشكيل مختلف أنواع التحف. ويضيف أن حرفة الفسيفساء تطورت وباتت تواكب الموضة وكثر استخدامها لتزيين مداخل الفلل والحمامات والجدران والأرضيات ودور العبادة، لأنها لا تتأثر بالعوامل المناخية، لافتا إلى أن الفسيفساء تتواجد بألوان معينة هي ألوان الأحجار الموجودة كالأسود والأبيض والأحمر والبني والأخضر الذي يسمى الرخام لكنه قليل.

بالنسبة إلى مراحل إنجاز أي لوحة يقول الرباط “نقوم بإحضار القماش الأبيض الخيش، ثم نقص الحجر حسب الوضع الذي نرغب فيه مع التلصيق، وفي الأخير نقوم بعملية الجلي لتلميع الحجر ويستغرق العمل وقتا يختلف حسب اختلاف حجم اللوحة”.

ويضيف قائلا، تتشابه أغلب تصاميم اللوحات الفسيفسائية لأنها مستوحاة من حياتنا فهي تتضمن رسومات هندسية بأشكال نباتية وحيوانية، والبعض الآخر يحمل في طياته موضوعات دينية وأخرى غزلية وأخرى تتحدث عن البطولة والشجاعة.

ويؤكد على أن تعلم صناعة الفسيفساء لا يحتاج إلى وقت طويل ويستطيع من لديه مهارة في جمع الأشياء الصغيرة أن يتعلم هذه الصناعة في زمن وجيز.

فن للتعبير عن الحب والرقي والإبداع
فن للتعبير عن الحب والرقي والإبداع

وفي حلب يعمل فنانون من اختصاصات متنوعة تجمعوا في “جمعية العاديات” التي تعنى بالتراث والتاريخ وحماية الآثار، وكلهم تصميم وإصرار على بث الروح في فن الفسيفساء عبر إبداعات فنية ولوحات يتم صنعها باستخدام مكعبات صغيرة وحبيبات ملونة ترصف بدقة متناهية وقد تستغرق شهورا لإظهار مكنونات مبدعها.

ومن بين المشاركات في الجمعية الفنانة روبي نصور التي تقول لوكالة الأنباء السورية “أحببت هذا النمط من الفن الغني بالألوان وأحببت المشاركة في العمل وقمت بتجسيد باب الحيات الأثري في مدخل قلعة حلب وحاولت إظهار اللوحة وكأنها واقعية باستخدام تقنيات مختلفة”.

ويحاول المشاركون في هذه الجمعية تجسيد لوحات ذات قيمة تاريخية في حياة السوريين، فالفنانة غفران هارون جسدت السيدة مريم العذراء في إحدى لوحاتها، مؤكدة أنها استفادت كثيرا بالانضمام إلى هذه المجموعة الفنية التي أخذت على عاتقها النهوض بفن أبدع فيه السوريون منذ غابر العصور.

ولا تقتصر المشاركات على الفنانين التشكيليين فقط فهناك هواة لهذا الفن مثل السيدة تالين مكرويان، وهي سيدة أعمال لكن إتقانها لفن الزخرفة وحبها لعمارة المدن السورية وتراثها، جعلاها تجسد في لوحاتها حارات قديمة وبيوتات حلبية تراثية ونصب السيف الدمشقي الشهير في ساحة الأمويين بدمشق.

تقول تالين، إن الأحجار المستعملة في تشكيل اللوحات تطبخ وتلون حسب الحاجة حيث تكون الأحجار عبارة عن قضبان صغيرة تقص إلى قطع صغيرة لتلائم المكان الذي ستلصق فوقه لتشكيل اللوحة الفسيفسائية المطلوب إنجازها.

حرفة الفسيفساء تنتشر في دمشق وحلب، وما زال الحرفي يوسف كشتو في محله بسوق المهن اليدوية في خان أسعد باشا في مدينة حماة يمارس عمله منذ 28 عاما، وقد جعل هذه الحرفة مصدر رزقه.

يذكر أن منطقة حماة تحتضن أشهر اللوحات الفسيفسائية في سوريا حيث يعود تاريخ هذه اللوحات إلى مختلف العصور.

يقول كشتو إن “منتجات هذه الحرفة تعاني من قلة الطلب عليها بسبب ارتفاع كلفتها والوقت الزمني الطويل اللازم لإنجازها، الأمر الذي دفع بعض حرفيي الفسيفساء إلى البحث عن مصدر آخر للعيش” لافتا إلى أنه يعمل حاليا على إقامة دورات في الرسم وفن الفسيفساء في مرسمه الخاص.

ويأمل أن يزداد الإقبال عليها بعد الحرب لاستخدامها في تزيين المنازل والمحال، إضافة إلى الفنادق والمطاعم وغيرهما.

مهنة عريقة
مهنة عريقة

ويذكر الحرفي أن الأحجار التي يستخدمها في لوحاته هي الرحيباني والقرواني والحموي والكروي الأحمر والأسود والبازلتي، وجميع هذه الأحجار يتم تأمينها من مناشر الحجر بمحافظات حمص وحماة واللاذقية ودمشق.

أثّر المحيط في تكوين الشاب مهند الطويل الذي ولد في مدينة شهبا من محافظة السويداء المشهورة بلوحات الفسيفساء فعشق تركيب أحجار الفسيفساء وطور خبرته فيها من خلال دراسته الأكاديمية للآثار والمتاحف، واكتسب خبرة طويلة وظفها في لوحات فنية مميزة تعكس إبداعه الفني وذوقه الرفيع وبعده الثقافي بما يخدم إعادة إحياء هذا الفن.

الخبرة والمعلومات التي اكتسبها الطويل مكنتاه من تنفيذ العشرات من اللوحات بأحجام مختلفة بالرغم مما تتطلبه من دقة ومهارة ووقت وصبر وجهد فكري وجسدي لتوظيف المكعبات الصغيرة والألوان بشكل مناسب، فضلا عن استخدامه في بعض لوحات الرخام المونة نفسها المستخدمة في الفترة الرومانية من مواد طبيعية لسدّ الفراغات الصغيرة بين المكعبات.

ولا يقتصر الطويل في عمله على تقنية واحدة من تقنيات الفسيفساء، فهو يجمع بين التقنيات القديمة والتقنيات الحديثة، مع محاولاته الدائمة لزيادة أعماله التي تتضمّن موضوعات ذات طبيعة ميثيولوجية.

ورغم استعداد ورغبة الطويل في تنفيذ المزيد من الأعمال، تواجهه -كما بقية الحرفيين- صعوبات كبيرة تتمثل في ضعف قدرته المادية على شراء المواد الأولية لارتفاع أسعارها وصعوبة تأمينها في السوق المحلية وكذلك مشكلة تسويق اللوحة الفنية بين الناس.

ومن خلال عملهم يصر الحرفيون على إحياء هذا الفن وإبقائه حيا، وخصوصا في المحافظة التي اشتهرت به، وذلك عبر إحداث ورشات لتصنيع لوحات الفسيفساء وتدريب الشباب عليها لاقتناعهم بأن الفن هو الوسيلة للتعبير عن الحب والرقي والإبداع.

20