سوزان سونتاغ كاتبة وقفت إلى جانب المضطهدين والمقهورين

الجمعة 2014/08/01
كانت سوزان تفتخر بأنها مواطنة شرفية لسراييفو، تلك المدينة الشهيدة

يعتبر الكثيرون من المختصين في الثقافة الأنكلو- ساكسونيّة أن الكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ (1933-2004) واحدة من ألمع، وأذكى النساء

الأميركيات في القرن العشرين، ومن أشدّهنّ استماتة في الدفاع عن الحرية، وعن المثل الإنسانية العليا.

لذا يمكن القول إنها كانت امرأة استثنائية بالمعنى الحقيقي للكلمة. وهي تمتلك حساسيّة فرجينيا وولف المرهفة، وقوّة شخصيّة هانّا أراندت، وعمق فكرها، واتساع ثقافتها. كما تتميّز بإنسانيّة سيمون فايل، وشجاعة نساء نادرات عبر التاريخ البشري في مختلف العصور.

منذ مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، وحتى وفاتها بالسرطان عام 2004، ناضلت سوزان سونتاغ على جبهات مختلفة. فمرّة تهبّ لمعاضدة كتّاب وفنانين ومفكّرين رفضوا الانصياع للأنظمة الشموليّة والاستبدادية.

ومرة تشنّ معارك حامية ضدّ أجهزة الرقابة السياسية أو الأخلاقية أو الدينيّة. ومرّة تهرع إلى الأماكن الساخنة في العالم لتقف إلى جانب المضطهدين، والمعذّبين والمقهورين. وهذا ما فعلته خلال سنوات الحرب الأهلية في ما كان يسمّى بيوغسلافيا، فقد سارعت بالسفر إلى سراييفو لتعيش مع أهلها فواجع الحصار الطويل وآلامه.


مواطنة شرفية


في السنوات الأخيرة من حياتها، كانت سوزان سونتاغ تفتخر بأنها “مواطنة شرفية” لسراييفو، تلك المدينة “الشهيدة”، وعن ذلك كتبت تقول: «لقد أمضيت بالفعل كثيرا من الوقت في سراييفو لكن ليس ككاتبة، وليس بهدف البحث عن موضوع للكتابة عنه، وأنا لم أذهب إلى هناك “إلى الميدان” كما يقولون لكي أكتب مشاعري وآرائي في ما بعد، وإنما ذهبت كإنسانة لأتضامن مع سكان مدينة كانوا يعانون من الحصار، ومن الحرب».

ومتحدثة عن التزامها السياسي الذي برز بالخصوص خلال مناهضتها حرب فيتنام، قالت سوزان سونتاغ: «إن كاتبا مثل البولوني فيتولد غومبروفيتش، الذي يعجبني كثيرا، كان فردانيّا إلى حدّ مخيف، أما أنا فأستطيع أن أقول بأني أقلّ فردانيّة منه ربما لأنني أمتلك وعيا مدنيّا وأخلاقيّا إلى جانب وعيي ككاتبة، وهذا الوعي لا بدّ أن أتيح له التعبير عن وجوده، لكني أحاول أن أفصل هذه عن الكتابة، ويعني ذلك ألاّ أستعمل المكتوب بغرض تمرير آرائي ومواقفي، أفضّل أن أفعل هذا في حياتي».

دورالنقد ليس تحليل مضمون العمل الأدبي أو الفني، وإنما السعي إلى بلورة (أيروسية) الفن

ولدت سوزان سونتاغ بنيويورك في السادس عشر من شهر يناير 1933، في البداية عاشت هي وأختها بعيدتين عن والديها اللذين كانا يمارسان تجارة الفرو في الصين، وفي الخامسة من عمرها فقدت والدها الذي توفي بمرض السّل في شانغهاي.

وفي ما بعد سوف تختصر الغياب المبكر للأب الذي يبدو أنه ترك جرحا عميقا في نفسها وذلك في واحدة من أجمل قصصها حيث تقول الشخصيّة الرئيسية فيها: «إنني أبكي دائما في السينما كلما كان هناك مشهد يعود فيه الأب بعد غيبة طويلة ومأساوية ليقبّل ابنه أو أبناءه».

عقب وفاة زوجها عادت والدة سوزان سونتاغ، وهي من أصل بولوني، إلى الولايات المتحدة الأميركية لتستقر مع ابنتيها في تيكسون، ثم في أريزونا، وبعد أن تزوجت ثانية، انتقلت للعيش مع ابنتيها في لوس أنجلس.

وفي وقت مبكّر، أظهرت سونتاغ ميلا كبيرا للقراءة، ومن خلال مجلة “بارتيزان ريفيو”، تعرفت على الكتّاب الطلائعيين الأميركيين الذين سيؤثرون فيها في ما بعد، وكانت في الخامسة عشرة من عمرها، لمّا أحرزت على شهادة الباكالوريا، وفي جامعة شيكاغو حيث درست الفلسفة التقت بفيليب ريف الذي بهره جمالها وذكاؤها فتزوجها، ومنه أنجبت طفلا، غير أن ذلك الزواج لم يدم طويلا.

وفي مطلع الخمسينات، شرعت سوزان سونتاغ تعمل في الجامعات الأميركية الشهيرة مثل “كولومبيا”و”برنستون”و”هارفارد”، وفي الآن نفسه راحت تنشر مقالات ودراسات فكريّة ونقدية في المجلاّت الطلائعيّة المنتصرة للأفكار التقدميّة مدافعة عن الروايات التجريبية التي كان يكتبها فرنسيّون من أمثال آلان روب غرييه، وناتالي ساروت، وكلود سيمون وغيرهم.

في مطلع السبعينات عرفت سوزان شهرة عالمية بسبب الدراسات التي أنجزتها عن فنّ الصّورة

وفي مجمل تلك المقالات والدراسات التي لفتت إليها أنظار كبار النقاد، دافعت سوزان سونتاغ عن فكرة تقول بأنه يوجد ذوق سليم، وذوق فاسد، وأن عملا أدبيّا سيئا يمكن أن يكون بشعا، بل يجب أن يعامل على هذه الصورة لأنه تافه ولا يستحق الاهتمام. وقد ازداد تعلق سوزان سونتاغ بالأفكار الطلائعية عندما أقامت في باريس خلال الستينات من القرن الماضي حيث اكتشفت هناك فلسفة فوكو، ودريدا، ودولوز، وأفلام غودار، ومسرحيات أريان موشكين.


دور النقد


في كتابها “العمل الفني يتكلم” الصادر عام 1966، والذي يعكس تجربتها الباريسية، كتبت تقول: «إن دورالنقد ليس تحليل مضمون العمل الأدبي أو الفني، وإنما السعي إلى بلورة “أيروسيّة” الفن، أو تفسير كيف ولماذا يتوصّل عمل فنيّ إلى إحداث صدى حواسيّ».

ومع مطلع السبعينات،عرفت سوزان سونتاغ شهرة عالمية واسعة خصوصا بسبب الدراسات التي أنجزتها عن فنّ الصّورة، إلى جانب الدراسات النقدية، كتبت روايات أشهرها “عاشق البركان”، التي تدور أحداثها في جزيرة صقلية خلال القرن التاسع عشر، ولم يكن هدفها من هذه الرواية استعراض أحداث تاريخية، وإنما رسم صورة لنهاية القرن التاسع عشر التي كانت حلقة الوصل مع حداثة القرن العشرين.

وعن روايتها هذه، قالت سوزان سونتاغ: «إن صمت النساء في “عاشق البركان” هو الذي كان يهمني أكثر من أيّ شيء آخر، فالرواية تبدأ بمشهد فيه يفعل الرجل ما يريد أن يفعل، وبسبب انتسابه إلى طبقة راقية، وامتلاكه لوظيفة مرموقة، هو يتحرك بكامل الحرية، أمّا النساء فإنهن يحضرن لكن ليس بالقوة المرجوة من قبلهن، لذا أردت أن تقطع هاتيك النساء صمتهنّ، وأن يتكلمن حتى وإن كان ذلك من وراء القبر».

وراسمة صورة لنفسها من خلال نساء رواية “عاشق البركان”، قالت سوزان سونتاغ: «إن أصوات النساء الأربع هي صوتي أنا، فأنا كاثرين المرأة المازوخية والطهرانية ذات الأفكار الشجاعة، لكن غير الواثقة من نفسها، وأنا مدام كادوغان، الأم الغبيّة الساذجة، وأنا ألينورا المرأة المثالية، المستعدة للتضحية بكلّ شيء، والثورية المحكوم عليها بالإعدام، وأنا إيسا، النجمة التي لم تفهم لماذا أصبحت نجمة، وهذه هي حالتي، فهم يرفعون من شأني من دون أن تكون لي موهبة معيّنة».

15