سوزان عليوان طفلة الشعر العربي التي لن تكبر

فنانة لبنانية متقشفة إلى درجة أنها تستغني عن الجمل مقابل الحصول على كلمة تشبهها، تفعل ذلك في الرسم أيضا. 
الأحد 2018/09/02
فنانة لا تزال دفاترها الشخصية مفتوحة

يخشى المرء وهو يدخل إلى عالمها من أن يقع ضحية لعملية تضليل. فتلك امرأة تجيد مهارات لا يعرف أسرارها سوى الأطفال. في الشعر والرسم على حد سواء. هناك تلقائية تقع مباشرة من غير تمهيد مسبق. وهو ما يفخخ البداهة بأنواع مختلفة من المفاجآت.

إنها أليس التي انزلقت إلى بلاد العجائب.

منذ البدء قررت أن تكون ملك نفسها. تهذي بما تراه صحيحا. عن طريق يدها ولسانها قالت شيئا مختلفا. لا أحد يملك سببا للاعتراض على ما تفعل. الطفلة التي تصف ما تراه في حاجة إلى أن يستعير أحد عينيها لكي يرى ما رأته وإن لم يفعل فإن عليه أن يظل صامتا.

لذلك صمت النقد بشقيه الأدبي والفني في البداية عن الحديث عن تجربتها.

لم يكن ذلك ليهمها وهي التي اخترعت حديقتها خارج الوصفات المتاحة لنمو النباتات. ليست لديها زهرة فائضة لتضحي بها.

سوزان عليوان متقشفة إلى درجة أنها تستغني عن الجمل مقابل الحصول على كلمة تشبهها. تفعل ذلك في الرسم أيضا.

لذلك فإنها لا تحتاج إلى ما يحتاجه الآخرون، فجربت أن تنشر كتبها بطريقتها الخاصة ونجحت.     

المتمردة التي صنعت حياة

فنانة لا تعتمد على مبدأ الصدفة في خلق صورها
فنانة لا تعتمد على مبدأ الصدفة في خلق صورها

إنها ابنة الاختراع الشخصي ومقاومة الطاعة. هي طفلة الشعر العربي الأبدية التي لا تنتظر الاعتراف من أحد. فهي أصلا لم تعترف بمؤسسات النشر ولم تقع عينها على الجوائز، وقبل ذلك فإنها لم تبحث عن قارئها، بل تركت الأمور كلها للصدفة. سيكون اللقاء ممتعا بين عابرين.  

بالنسبة لها فإن كل شيء كان يجري باعتباره شأنا شخصيا.

كان جليا أنها لا تبحث عن الاعتراف بها شاعرة ورسامة. ذلك آخر ما يهمها.

 ولدت عليوان عام 1974 في بيروت من أب لبناني وأم عراقية. قضت سنوات طفولتها بين إسبانيا وباريس والقاهرة. عام 1997 تخرجت من قسم الصحافة والإعلام في الجامعة الأميركية بالقاهرة، بعدها عادت إلى بيروت ولا تزال تعيش فيها. عام 1994 أصدرت كتابها الأول “عصفور المقهى” بطريقة لم تكن مألوفة في العالم العربي. ظل ذلك الكتاب محتفظا بصفته دفترا شخصيا حتى بعد طباعته بشكل محدود. زودته برسومها التي لا تبحث عن اعتراف رسمي، رسوم تذكر بتلك التخطيطات التي رسمها أنطون دي سانت إكزوبيري من أجل كتابه العظيم “الأمير الصغير”.

ذلك الكتاب هو مفاجآتها الشخصية التي صارت بالنسبة لها خط حياة. تتالت أعمالها الشعرية في الصدور بالطريقة عينها من غير أن تبحث عما يمكن أن يكرسها ثقافيا. “بيت من سكر” الذي صدر عام 2007 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر ضمن سلسلة “آفاق عربية”، وهو عبارة عن مختارات من شعرها، هو الكتاب الوحيد الذي فلت من مخطط تمردها.

صانعة كتب هي لكنها كتب من طراز خاص، كتب يحيط بها الخيال من كل جانب، لا تنتمي إلى جنس بعينه من الكتابة إلا إذا اعتبرنا الدفاتر الشخصية نوعا من الكتب التي لا يمكن إدراجها في المكتبة الرسمية.

عليوان شاعرة ورسامة، غير أنها لا تنظر إلى الصفتين باعتبارهما زيين رسميين تظهر من خلالهما على مجتمع، تمردت عليه في وقت مبكر ولا تزال تنظر إليه بعين متمردة.

من خلال الشعر والرسم باعتبارهما عالما واحدا صنعت عليوان حياة تناسبها هي مزيج من أشكال وأصوات وروائح تنتمي إلى زمن مطلق، زمن يسخر من تحولاته الخارجية، ذلك لأنه يعيش التحول من الداخل.

كتبت عليوان ورسمت من أجل أن لا تكون جزءا من القطيع الفني والشعري. في كل ما فعلته كانت تسعى إلى تأكيد انفصالها.     

“قصيدة واحدة وحيدة، هي كل ما أعترف به الآن من ديواني الأول”، هذا ما كتبته عليوان في موقعها الإلكتروني. اعتراف لم يسبقها إليه شاعر عربي بالرغم من أنهم يحذفون الكثير من أشعارهم الأولى كما لو أنهم لم يكتبوها.

تقول “الليل لا يتسع لأرقي/ البكاء لا يتسع لدمعي/ أصدقائي لا يتسعون لي/ وحده الموت يتسع” في كتابها “لا أشبه أحدا”.

تجازف الشاعرة في صدقها لا من أجل أن تكون مختلفة، بل من أجل أن تسترجع ذاتها قبل الكلمات والأصباغ، “بنت تشبهني/ حين كنت أشبه نفسي” ترتب أحوال بلاغتها وعلاقتها بالزمن من أجل أن تتطابق صورتها في المرآة مع ذاتها المتخيلة. هناك مساحة موحشة تفصل بين مكانين متخيلين تملؤها الشاعرة بالكلمات التي تخدش بهوائها كل حجر تمر به. تكتب من أجل الطفلة التي تنتظرها في المستقبل، فهي لا تستعيد جنة حُرمت منها. الكتابة بالنسبة لها هي خلاصة ما سيأتي وليس استرجاعا لما مضى، “هل من عقاب أكثر من الزمن” تقول وهي التي عرفت كيف تفلت باعتبارها طفلة الشعر التي لن تكبر.

أين تقع القصيدة؟

إنها أليس التي انزلقت إلى بلاد العجائب
إنها أليس التي انزلقت إلى بلاد العجائب

تحتل الصور المكان الأبرز في عالمها الذي لا يكف عن التذكير بصغره وهو ما ينطوي على الكثير من الخداع الذي ينسجم مع روح اللعب الشعري. في ذلك العالم لا تتصادم الكلمات ولا تتداخل أو تتقاطع ولا ينفي بعضها البعض الآخر إلا من أجل خلق صورة، تبدو كما لو أنها في حد ذاتها الهدف الذي تسعى الشاعرة إلى الوصول إليه. غالبا ما تتلاحق الصور لاهثة وهي تتبع تقنية التعريف. في قصيدة بعنوان “غربة” تقول “بطاقتي مصباح متدل من دمعة/ قصائدي أطفال شاحبون/ ذاكرتي نافذة لا تطل/ غربتي غيمة في يدك” أربعة تعريفات هي أربع صور هي كل شيء ولا شيء آخر. أين تقع القصيدة؟

تعلمت عليوان من الرسم أن لا تقف طويلا عند الموضوع، فهو ذريعة لشيء آخر، شيء يتجاوزه إلى سواه. “رغم حدة الألم سأستمر في تصديق ما لا أراه” وهو ما يعني اختراق سطح الصورة هي مرآة وصولا إلى أعماقها، هناك حيث تقع القصيدة التي لا تكتفي بوصف أحوالها أو خلق مناخ شعري.  

لقد كُتب الكثير عن تجربة عليوان، مقالات حاول كتابها أن يزجوا بعليوان في التظاهرة الرسمية للشعر في العالم العربي، وهو أمر قد لا يزعج الشاعرة كثيرا غير أنه بالتأكيد لن يكون مصدرا لسعادتها، فما فعلته طوال أكثر من عشرين سنة لن يتسع له الدرس النقدي المكرس الذي يخطئ بالتأكيد الطريق إليها باعتبارها ظاهرة تعلن عن اختلافها خارج مقاييس الاختلاف المتعارف عليها ثقافيا.

كونها ظاهرة لا يقلل من قيمة ما كتبت، بل إنه يضفي عليه هالة هي ليست منه، غير أنها تقدمه باعتباره حدثا غير مسبوق، وهو كذلك في الواقع. شعريته التي تقوم على البوح، خفيض الصوت، القريب من التفاصيل، لافتة بطريقة مدهشة. ما كتبته عليوان في مجال قصيدة النثر يؤهلها للوقوف في منطقة خاصة، فهو لا يشبه تجارب الآخرين التي غلب على معظمها طابع الاستسهال والتبسيط والعجالة.

عليوان شاعرة بعمق. جملها صافية ومعانيها قوية وبناؤها متماسك. ليس هناك هذر ولا تعتمد على مبدأ الصدفة في خلق صورها. وهو ما يلاحظه المرء حين يقرأ كتبها الشعرية متسلسلة.

 تسلقت عليوان السلم درجة بعد أخرى حتى وصلت إلى المرحلة التي هي فيها الآن، غير أن ذلك كله لا ينفي القيمة الاستثنائية التي تكتسبها تجربتها الشعرية من الظاهرة الفريدة التي مثلتها، كونها لا تزال ممسكة بدفاترها الشخصية.

9