سوسن بدر نفرتيتي الفن المصري التي تتلاعب بالخير والشر

الفنانة المخضرمة تعيش حالة من التوهج الفني في مصر بسلسلة من الأعمال الناجحة جماهيريا، في السينما والدراما.
السبت 2019/10/05
نجمة تقهر الزمن توظّف ملامحها لخدمة أعمالها

تدين الفنانة سوسن بدر بالفضل في دخول الوسط الفني إلى وجهها الصلصالي الذي يعطيها قدرة على التشكل بالمرأة المصرية في صور مختلفة، فجسدت الفرعونية والبدوية والفلاحة والأرستقراطية، تاركة تغيرات الزمن تتلاعب بملامحها، فلم تلجأ إلى عمليات التجميل أو المساحيق الكثيفة أو حتى مواراة شعرها الأبيض.

تعامل الفنانة في المهرجانات والاحتفالات الفنية المحلية والعربية حاليا كملكة فرعونية بعد ظهورها في صورة “نفرتيتي” على غلاف مجلة “هاربارز بازار” الأميركية في جلسة تصوير داخل المتحف المصري مؤخرا، أثار جدلا على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب التشابه الكبير في ملامحها مع واحدة من أشهر ملكات مصر القديمة.

بحثا عن الكنز

تطارد الملامح الفرعونية سوسن بدر طوال تاريخها الفني، فكان أول عمل تم ترشيحها لبطولته عن نفرتيتي أيضا في فيلم “إخناتون: مأساة البيت الكبير” لشادي عبدالسلام مخرج فيلم المومياء، لكن العمل لم ير النور بسبب ميزانيته الضخمة ورفض الدولة المشاركة في تكلفته، واعتراض صناعه أيضا على قبول منتجين أجانب لاعتبارات تتماشى مع أفكار تنظر للغرب بصورة سلبية أحيانا، وحتى الآن لا تزال الفنانة تعتبرها تجربة لو اكتملت لغيرت مجرى حياتها.

أعاد المخرج عمرو سلامة تثبيت الصورة ذاتها بعدما اختارها لتجسيد دور كليوباترا في حملة “100 مليون صحة” الحكومية التي تستهدف الاكتشاف المبكر للأمراض الفيروسية للتأكيد على عراقة المرأة ودورها في المجتمع، وأعادت وزارة الصحة الاستعانة بها في حملة أخرى للكشف المبكر وعلاج سرطان الثدي، لتتوسط بزي عصري سيدات تجسد ملابسهن التركيبة السكانية المتنوعة بين الريف والصعيد والبدو والحضر وتحت صورتها عبارة “صحتها في قوتها”.

جذب الجمهور من كل الطبقات العمرية والنوعية يبرز كهاجس عند بدر، لتظل على قوائم المشاهدة، ولذلك شاركت في أجزاء مسلسلات {قصص القرآن} الموجهة للأطفال، ونوعت في أعمالها السينمائية

تقول بدر إنها تشعر بالفخر لارتباط الألقاب الفنية التي حصلت عليها بالحضارة المصرية القديمة ومن بينها “الهاربة من المعبد” و”نفرتيتي العصر الحديث”، لكنها في حياتها الخاصة ترفض المعيشة المنعزلة، فتعشق الاختلاط بالبشر، وتفضل التجول في الشوارع دون مكياج وشراء احتياجاتها من المحال التجارية بنفسها، فالاختلاط يضمن للفنان أن يظل مواكبا لعصره.

تصالح بدر مع سنوات الزمن وتقبلها للأفكار المغايرة جعلاها خيارا مفضلا لكثير من المخرجين للقيام بدور الأم أو الحماة بوجهيها الطيب والشرير، فحجزت لنفسها مكانة مستقرة في عالم الدراما لتبدأ تصوير أدوار في خمسة أعمال يفترض عرضها في موسم رمضان 2020، محافظة على العدد ذاته الذي شاركت فيه خلال رمضان الماضي، وبالتزامن مع مشاركتها في فيلمي “أولاد رزق 2″ و”الكنز 2” اللذين يعرضان بدور السينما حاليا.

تعتبر الفنانة المصرية من القلائل الذين لا يفضلون نمطا من الفن على آخر، فقد شاركت في السينما والدراما والمسرح والإذاعة وأفلام الكرتون بالكثافة ذاتها ليقترب إجمالي أعمالها من 350 عملا، منذ ظهورها الأول في فيلم “حبيبي دائما” أمام نور الشريف قبل 40 عاما، الذي اختارها للعب دور خطيبته سلوى من بين العشرات من الفتيات التي عرضها المخرج حسين كمال عليه لسماتها الشكلية الاستثنائية.

شمس الزناتي

الوجه الفرعوني لبدر يلعب دورا هاما في حياتها، طوال تاريخها الفني، فقد كان أول عمل تم ترشيحها لبطولته في فيلم “إخناتون” لشادي عبدالسلام.
الوجه الفرعوني لبدر يلعب دورا هاما في حياتها، طوال تاريخها الفني، فقد كان أول عمل تم ترشيحها لبطولته في فيلم “إخناتون” لشادي عبدالسلام

تعتز بآخر أعمالها الفنية المعروضة حاليا “أهو ده اللي صار” الذي يتخذ من قصص الحب الرومانسية بين الفقراء والأثرياء مدخلا لسرد تاريخ مصر، وجسدت خلاله شخصية مسنة تحتفظ بحيوية عقلها وتنقل عبر شخصيتها تغيرات المجتمع الحادة طوال القرن الماضي وتنقلات مستمرة بين الحاضر والماضي بلغة رصينة شبيهة أكثر بالروايات لكاتبه عبدالرحيم كمال، واعتبرته إضافة لها ويقدم صورة مغايرة لدور كبار السن عند الإصابة بالخرف أو عدم القدرة على التعبير.

ترى بدر أن العمل مع المخرجين والمؤلفين الشباب والوجوه الجديدة سر استمرارها في الوسط الفني فهي تستفيد منهم في معرفة تفكير الأجيال الجديدة واكتساب لغتهم المتجددة والقضايا الشاغلة لهم وطريقة التعبير عنها ومعالجتها التي تختلف كثيرا عن جيلها في الأسلوب أو الإيقاع، ولا تبدي غضاضة في الاستجابة لتوجيهات المؤلف والمخرج مهما كان فارق السن.

تعاونت في مسلسل “أبوالعروسة” مع المؤلف الشاب هاني كمال في ثاني تجاربه الدرامية، رغم محدودية نجاح عمله الأول “قلوب”، وقدّمت شخصية عايدة الأم التي تحمل هموم العائلة ولا تفكر إلا في مستقبل أفرادها، وتغيّر جلدها باستمرار لتكون العصا التي تعاقبهم وتربيهم وفي الوقت ذاته الحصن الذي يحتويهم، وكان لها تأثير خاص في قلوب النساء لاقترابها من واقعهن اليومي ومشكلاتهن في تجهيز البنات للزفاف والتدخل لحل مشكلاتهن بعد الزواج.

ربما نجاح بدر في الاختيار والتمرد على محاولة احتجازها ضمن دور واحد، فلا تقبل بالتكرار في أعمالها، فكانت البدوية في “شمس الزناتي” والعاشقة في “حبيبي دائما” والقاسية التي تعتبر الشدة والصرامة أسلوب حياة في “غراند أوتيل” والصعيدية الباحثة عن الحب في “الخواجة عبدالقادر” والأرستقراطية في “أهو دا اللي صار” والوفية في “الدالي” وخفيفة الظل في “عايزة أتجوز” والشريرة المتآمرة في “البيت الكبير”.

تجيد الفنانة المخضرمة تجسيد المرأة المتسلطة القوية في محاولة لتناسي شخصيتها الحقيقية التي عانت من اهتزاز داخلي ومرحلة من الاكتئاب استمرت لمدة ثلاث سنوات، حاولت خلالها الانتحار وتمسكت بالحياة لمجرد رعاية ابنتها وخوفا على مستقبلها فقط، ثم تعافت وخرجت بقناعة أن الإنسان لا يجب أن يكون ضعيفا أمام الظروف، مهما كانت صعبة والتسامح مع النفس والتوقف عن جلد الذات.

تجارب درامية

  سوسن بدر الفنانة المصرية الوحيدة التي لم تتلق هجوما حادا من النقاد على أعمالها التي صادفت نجاحا على مستوى الجوائز والجمهور معا
  سوسن بدر الفنانة المصرية الوحيدة التي لم تتلق هجوما حادا من النقاد على أعمالها التي صادفت نجاحا على مستوى الجوائز والجمهور معا

في كل مرة، تقدم فيها صورة الشريرة كان هناك ما يميزها، فدائما تضيف بعدا آخر يجعل لها “مورالا” أخلاقيا أو بعدا إنسانيا يصل للجمهور. فالشر لديها ليس نمطيا يجعلها محصورة في دائرة واحدة، وغالبا ما تضفي إلى الدور قدرا من الكوميديا تحاشيا لتعرضها للكره من الجمهور الذي تصعب لديه التفرقة بين القصص الدرامية والواقع.

يظهر التنوع في الاختيار في الأعمال التي اختارتها لرمضان 2020، بين الدراما الصعيدية المنغمسة في الثأر وخلافات الميراث وتسلط وسيطرة الرجال على النساء في “البيت الكبير 2” والبوليسية الدائرة حول الصراعات بين عائلات المخدرات والسلاح والشرطة في “الأب الروحي 2″، والتشويق والجريمة والألغاز في “زي الشمس 2” والكوميديا الخفيفة في “بخط الأيد” والاختلافات المتجذرة بين طبقات المجتمع في “الحلال والحرام”.

استفادت سوسن بدر في حياتها الفنية من تجربة والدتها آمال سالم الممثلة التي لم تحظ بالشهرة قبل اعتزالها التمثيل، وظلت معروفة فقط بمشهد واحد من مسرحية “ريا وسكينة” ظهرت خلاله باسم الخالة أمونة، فكانت كالمنشار الذي لا يتوقف عن قبول الأدوار، وأرادت ألا يكون عدد أدوارها محصورا في أصابع اليد مثل والدتها، فجمعت بين السينما والدراما والمسرح والإذاعة حتى أصبحت “غولا” لا يترك فرصة إلا واقتنصها.

وأجادت في مسلسل “طريقي” تقديم امرأة تتلقى الصدمات من بنتها التي تزوجت دون علمها، وزوجها الذي تركها من أجل أخرى، حتى أصيبت بمرض “الزهايمر”، ولم تنكر أن إتقانها للدور جاء من تجربة مرت بها والدتها آمال سالم مع المرض، فكانت مجرد مرآة فقط تعيد عبرها تقديم مشاهد عاشتها في الحقيقة إلى المشاهدين. تعلقت المشاركة في الأعمال عند بدر بالقيمة الفنية المقدمة أكثر من الأجر المدفوع، وأبدت رفضها للتعامل مع عائلة “السبكي” للإنتاج الفني في العديد من الأفلام الشعبية التي عرضتها عليها، رغم أرباحها العالية، معتبرة أنها لن تجد لها الدور المناسب الذي يليق بها في نوعية الأفلام التي تقدمها عائلة احتكرت الإنتاج الفني لعدة سنوات بمصر.

كانت الفنانة محظوظة بنشأتها الفنية ضمن جيل يقدر أهمية القراءة والثقافة للفن ودوره في تشكيل الشخصية، فتقول “إن قادة الفن في الماضي كانوا يطلبون من الممثلين الشباب كثرة الاطلاع لأن ممثلا موهوبا دون ثقافة لا يساوي شيئا”، فاقتنعت تماما بأن الفنان مجموعة شخصيات يؤديها، وكي يقدمها بصورة حقيقية لا بد أن يتقمصها وتطارده في حياته الشخصية فيظل يحلم بها إلى أن ينهي العمل كما يجب.

تحاول التصدي لتغيير العادات البالية في المجتمع المصري في أعمالها بداية من المبالغة في تجهيز العروس التي تدفع بالأسر إلى السجون كغارمات، ومنح دفعات معنوية للمصابين بأمراض خطيرة كالأورام السرطانية، وتظل قابلة للسيطرة عليها، طالما لم يفقد الإنسان الأمل والمكافحة من أجل الاستمرار في الحياة، وحتى عادات المصريين في شراء احتياجاتهم اليومية بكميات كبيرة لا تتناسب مع استهلاكهم.

تعتبر بدر أن الحل لعودة الدراما المصرية لقوتها “اكتمال السيناريو بالكامل قبل البدء في التصوير، فالأسلوب المتبع حاليا في مسلسلات رمضان يحول دون اجتماع الفنانين مع المؤلف والمخرج وكادر التمثيل يبدأ العمل ولديه فقط أربع أو خمس حلقات ولا يستطيعون إبداء الرأي في مسار الحلقات أو الاقتراح بتغييرها ولا يعرفون النهاية إلا قبل انتهاء التصوير بأيام”. 

محاربة ضد التخلف

ارتباط الألقاب الفنية التي حصلت عليها بدر بالحضارة المصرية القديمة أمر تقول إنه يشعرها بالفخر على الدوام
ارتباط الألقاب الفنية التي حصلت عليها بدر بالحضارة المصرية القديمة أمر تقول إنه يشعرها بالفخر على الدوام

تحاول  بدر جذب الجمهور من كل الطبقات العمرية والنوعية لتظل على قوائم المشاهدة، فشاركت في أجزاء مسلسلات “قصص القرآن” الموجهة للأطفال، ونوعت في أعمالها السينمائية بين الحركة التي تستهدف فئة الشباب مثل “أولاد رزق” و”إبراهيم الأبيض” والرومانسية في “حب البنات” و”سحر العيون” والكوميديا في “أحلام البنات” وهواة الألغاز والأساطير في “الكنز”. ربما تقف الصدفة وراء دور كبير في حياة بدر،

فبداية حياتها اتجهت إلى العمل كعارضة أزياء لتفاجأ بأن الفنانة رجاء الجداوي ضمن لجنة الاختبار، وترتبطان بصداقة مستمرة، وحينما أرادت إجراء بحث عن العمل المسرحي عثر عليها شادي عبدالسلام نائمة على أحد الكراسي، وقادها الحظ للتعرف على نور الشريف الذي دفع بها في أول تجاربها الفنية المكتملة.

تعتبر بدر الموت عدوا يترصدها دائما فذاقت مراراته في كل مرحلة من حياتها، سرق منها الفرحة في بداية مشوارها الفني بوفاة شادي عبدالسلام قبل إنهاء فيلمها الأول “إخناتون”، واثنين من أزواجها ماتا خلال أقل من 4 أشهر من الزواج، لتفضل بعدها الاقتران بالأصغر سنا حتى تزوجت بشابين، أحدهما يصغرها بعشرين عاما، والآخر بعشر سنوات.

كان الخوف من الموت دافعا وراء ارتدائها الحجاب بعد الهزة الأرضية القوية التي ضربت مصر في بداية التسعينات، وابتعدت عن الوسط الفني قرابة عامين ثم عادت وخلعت الحجاب، معتبرة أن التغير في السلوكيات أهم من التغير في الشكل والمظهر، وشاركت حينها في عدد من المسلسلات ذات طبيعة دينية وتاريخية، مثل “وداعا قرطبة” مع أشرف عبدالغفور و”قشتمر” مع محمود الجندي، قبل أن تعاود نشاطها الفني في أعمال متنوعة.

يبدو أن الدين مرتبط عند بدر بكونه حصنا يعطيها دفعة معنوية لمواجهة الأزمات، فمع اتهام ابنتها الوحيدة ياسمين في القضية المعروفة إعلاميا بـ”عبدة الشيطان” وتم فيها اتهام مجموعة من أبناء الأثرياء بممارسة طقوس مريبة في قصر البارون بمصر الجديدة في منتصف التسعينات من القرن الماضي، وتمت لاحقا تبرئتهم، سافرت إلى أداء فريضة الحج كوسيلة للخروج من الحالة النفسية السيئة التي لازمتها بعدها ودفعتها للاعتذار عن بعض الأعمال.

تفتخر سوسن بدر بأنها الوحيدة التي لم تتلق هجوما حادا من النقاد على أعمالها، فالكثير من أعمالها صادف نجاحا على مستوى الجوائز والجمهور معا، ولا تبالي بلغة الأرقام في شباك التذاكر فما يبقى هو العمل الجيد، ولا تفقد اليقين بأن سماتها الشكلية الأصيلة سوف تدفع بها يوما إلى عمل عالمي يكون تكليلا لسيرتها الفنية الطويلة، سواء كان عن ملكة فرعونية أو حتى سيدة توشّي ملامحها بمصريتها الأصيلة.

12