سوسيولوجيا التطرف في الأردن.. أخطار ومؤشرات غير تقليدية

كتاب يكشف عن تحول في نمط التيار السلفي الجهادي في الأردن من السياق الفردي الذكوري إلى العائلي والشبكي.
الاثنين 2018/03/19
نزوع واضح نحو العنف

عمّان – مازالت قليلة وغير كافية تلك الدراسات والأبحاث التي تتطرق إلى الإرهاب بوصفه ظاهرة اجتماعية تتعلق بطبيعة تنامي وتمدد الشبكات الإرهابية على خلفية العلاقات والولاءات العائلية والعشائرية في مناطق معينة من بلدان عربية وإسلامية كثيرة.

صار بإمكاننا في بعض البلدان أن نتحدث عن "عائلات إرهابية" و"مناطق إرهابية" تماما كما يتحدث الإعلام عادة عن عائلات رياضية أو فنية أو سياسية، إذ يتقاسم ويتوارث هؤلاء في مناطق وأقاليم بذاتها، نوعا من "الإقطاع الإرهابي" إذا صلح التشبيه وسمحت المقاربة.

الأمر لا يتعلق، دون شك، بنوع من التنظير لإرهاب ينتقل بشكل جيني أو وراثي، وكذلك لا يخص بطبيعة الحال، إدانة منطقة بعينها لمجرد أنها تحتوي على خلايا وعصابات إرهابية أوجدتها طبيعة الجغرافيا وتشابكها مع الخطط القتالية لهذه الجماعة أو تلك، وإنما يتجاوزه إلى بحوث ميدانية واستقصائية ترصد تنقل وتوسع الشبكات الجهادية في محيطها السكاني والبشري والثقافي.

ولا ينبغي أن تغيب عن أعين المتابعين للظاهرة الإرهابية مسألة التركيبة العائلية أو العشائرية ودورها في الحسم سلبا أو إيجابا إزاء الجسم الإرهابي في محيطها، وهو ما حصل قبل تطهير الأراضي العراقية من داعش العام الماضي، ففي قبيلة شمر على سبيل المثال، طرد تجمع العشائر في غرب نينوى، عائلات عناصر تنظيم داعش في ناحية ربيعة ومحيطها وصادر منازلها.

وكان الشيخ علي الشمري، أحد وجهاء شمر، قد قال إن “العشيرة ومن منطلق الأذى الذي صدر عن عائلات داعش وأبنائها، بدأت حملة لطرد عائلات التنظيم من ربيعة غرب نينوى، وأضاف الشمري أن "العائلات جرى تبليغها بالطرد من الناحية حتى يتسنى لها الاستعداد ومن ثم تمت مصادرة جميع منازلها” وبين أن “أعدادها وصلت إلى 20 عائلة فقط من داخل ربيعة ومحيطها".

التيار الجهادي لم يعد مشكلا من مجرد أفراد بل أصبح عائلات، ما يعني الوصول إلى درجة من التجذر الاجتماعي والثقافي

هذا التداخل بين البعدين العشائري والمناطقي، بالإضافة إلى عوامل اجتماعية وعمرية أخرى، كثيرا ما يتجاهلها أو يستبعدها المتابعون لنشاطات الشبكات الإرهابية في بلاد كثيرة.

كما أن الظاهرة الجهادية لم تعد حالة ذكورية فردية ومنفردة بل أصبحت بعض المسميات والتوصيفات المتعلقة بها أليفة واعتيادية، مثل الأشقاء الجهاديين، والآباء والأبناء، والشقيقات الجهاديات، والأحداث الجهاديين، فالتيار الجهادي لم يعد، كما كانت الحال سابقا، مشكّلا من أفراد ذكور بالغين، متأثرين بهذا الفكر، بل أصبح عائلات؛ آباء وأبناء زوجات، وبنات، ما يعني الوصول إلى درجة من التجذّر الاجتماعي والثقافي أكبر مما سبق.

وفي هذا الصدد خلص كتاب "سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن: دراسة ميدانية وتحليلية"، والذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية في عمّان، وشارك في تأليفه كل من الباحثين محمد أبورمان وموسى شتيوي، إلى أنّ هنالك تحولا في نمط التيار السلفي الجهادي في الأردن من السياق الفردي الذكوري إلى العائلي والشبكي.

 وأكد أبورمان أن “المعطيات والمؤشرات المطروحة في الكتاب مقلقة”، داعيا إلى “مقاربات أخرى غير المقاربة الأمنية التي تلجأ إلى عزل أسر المتطرفين، وذلك حتى لا يعانوا نتيجة أفعال أبنائهم”، مؤكدا أن المعطيات تتطلب إعادة نظر وتركيزا جديدا من قبل المسؤولين والمؤسسات المعنية.

ويمثّل الكتاب نتائج دراسة نظرية وميدانية شملت بيانات للمئات من الناشطين في التيار السلفي الجهادي في الأردن، شملت ما يقرب من 760 جهاديا، منهم قرابة 190 قتلوا في سوريا والعراق، و11 دراسة لحالات معمّقة، منذ العام 2010 إلى بداية العام الحالي.

على صعيد النتائج الرئيسة؛ بيّن الكتاب أنّ محافظة الزرقاء، وبالأخص مدينة الرصيفة، تمثّل اليوم المركز الأكبر لنفوذ التيار وحضوره، وذلك يتضح من خلال القيادات المعروفة للتيار من المحافظة، وحجم المشاركة في تنظيمي فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) وتنظيم الدولة من أبناء المحافظة، ونسبة من وصلوا منهم إلى مواقع قيادية في الحالة السورية، فهي مسألة لافتة فعلا.

المنضمين لتنظيم الدولة والنصرة في القتال في سوريا والعراق ليسوا جميعا من التيار السلفي الجهادي فهنالك ممن تعود خلفيتهم إلى جماعة الإخوان المسلمين

أما على مستوى السمات الاجتماعية فإنّ الكتاب يشير إلى ثلاثة أجيال من الجهاديين، فالجيل الأول الذي شارك في القتال أو تأثر بساحة أفغانستان خلال الثمانينات، ثم عاد مع بداية التسعينات، من بقي منه جهاديا يفترض أنه اليوم في عقد الأربعينات أو الخمسينات.

 وهناك الجيل الثاني الذي ظهر  مع أحداث سبتمبر 2001 واحتلال العراق 2003، ممن قاتلوا في العراق مع تنظيم الزرقاوي أو في أماكن أخرى. أمّا الجيل الثالث، فهو من قدّم أو التزم بالتيار في الأعوام الستة الأخيرة، وبصورة خاصة مع أحداث سوريا والعراق نهاية 2011، وأغلب هذا الجيل هو من أبناء العشرينات بدرجة أولى.

وفي ما يتعلّق بالتعليم، فمن الواضح أنّ هنالك ارتفاعا ملموسا، خلال الفترة الأخيرة، في نسبة المتعلّمين في هذا التيار، إذ وصلت إلى 21.6 في المئة من طلبة الجامعات، و1.8 في المئة من الدراسات العليا أي أنّ النسبة تكاد تصل إلى ربع العدد الكلّي، وهي نسبة مرتفعة، مقارنة بالصورة النمطية التي كانت تربط قبول هذا الفكر بمستوى متدن من التعليم والثقافة.

ولا تختلف الحال بالنسبة للوظيفة والعمل، والحالة الاجتماعية، فهناك ارتفاع في نسبة العاملين مقارنة بالصورة النمطية التي تربطهم بالبطالة، إذ تصل نسبة البطالة إلى 27.6 في المئة فيما الآخرون يعملون.

خلال التجربة البحثية ودراسة الحالات تتبيّن مجموعة من النتائج المهمة، منها أنّ هنالك روافد أو خلفيات فكرية متباينة لمن انضموا لتنظيم الدولة والنصرة في القتال في سوريا والعراق، فليسوا جميعا من أعضاء التيار السلفي الجهادي الأردني، فهنالك مجموعة ممن تعود خلفيتهم إلى جماعة الإخوان المسلمين، أو كانوا في مرحلة من المراحل أعضاء فاعلين في الجماعة، وهنالك من ينتمون إلى خلفيات سلفية تقليدية، وهم أقل ممن ينتمون للتيار المعروف باسم السلفية الحركية، ومن كانوا ينتمون إلى جماعة الدعوة والتبليغ، التي تقول بأنها لا تتدخل في السياسة. وهنالك من لا ينتمون إلى توجهات إسلامية سابقا، وبعضهم من أصحاب السوابق، الذين تمّ تجنيدهم أو تأثروا بهذا الفكر داخل السجون.

13