سوسيولوجيا الطائفية وسياسات الهيمنة والهوية

الأحد 2015/11/15

ما الذي يفسر انبعاث هذه الموجة الكاسحة من خطابات الهوية والطائفية والتطييف التي أخذت تشيع في المجتمعات العربية اليوم على نحو خطير ومثير للحيرة والفزع؟ وكيف نفهم بقاءها وديمومتها على مدى آلاف السنين؟ وهل الطائفية مشكلة اجتماعية إنسانية عامة أم خاصية عربية تحديدا، وكيف تجاوزتها المجتمعات الأخرى؟

حروب طائفية مستعرة في كل مكان، مسيحية قبطية إسلامية في مصر وشيعية سنية مسيحية، عربية كردية في العراق وسوريا ومسيحية شيعية سنية درزية في لبنان، وزيدية حوثية سنية سلفية أخوانية عشائرية في اليمن، كلها ضمن فضاء ثقافي نفسي مشحون بعنف رمزي وهستيريا عصابية جماعية عدائية شديدة التحريض والانفجار.

والسؤال الملحّ هنا والآن هو ما الذي جعل التنوع الهوياتي والتعدد الطائفي في المجتمع العربي الإسلامي يتحول إلى شر مستطير بينما هو في مجتمعات كثيرة أخرى مصدر قوة ودليل صحة وعافية كما هو الحال في الهند والصين وروسيا وأميركا وغيرها من الدول التي تضم طيفا واسعا من الهويات (ديانات، أعراق، إثنيات، لغات، أقليات، طوائف، ملل، مذاهب وما لا يعد ولا يحصى من الجماعات الثقافية والإثينية المتنوعة) فكيف لنا أن نطمح إلى إنجاز خطاب إبستيمولوجي في موضوع سوسيولوجي دائم الحركة والتحول والتغير والتبدل، شأن جميع الظواهر الاجتماعية، إذ أن الباحث في هذا الحال يكون جزءا من الظاهرة المراد بحثها، بوصفه إنسانا يعيش في مجتمع يؤثر ويتأثر وينفعل بما يعتمل فيه من قضايا وأحداث صغيرة أم كبيرة، تمارس تأثيرها المباشر على حياة جميع أفراد المجتمع الذين يعيشون الحياة بسياقها الحيّ والمباشر، تلك الحياة التي نمنحها تسعة أعشار من وقتنا الذي نعيشه في عالمنا الواقعي المعيشي الفوري، بلا ماض ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الحياة وتدفّقها بملموسيّتها وكليتها.

أي الحياة اليومية البسيطة المليئة بالانشغالات الروتينية والمتطلبات المعيشية الملحّة الصغيرة والروتينية التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل والتقنيات والعادات التقاليد والأساليب والصراعات والرهانات والتفاعلات والنجاحات والإخفاقات، المكاسب وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية التي ننهمك بها والتي تشكل فعلا عصب الجسد الاجتماعي برمته أي “الحياة بلا مزايا”، التي يسميها عالم الاجتماع جلير دوران “الجو الخانق”.

فلا بد لنا من منظور منهجي نقدي تاريخي ثقافي يتوسل المفاهيم الأساسية (الهوية، علاقات الهيمنة، الطائفية، الأقليات، الآخر)، فضلا عن بعض المفاهيم المساعدة الأخرى كمفهومي الاعتراف والإنصاف بالاتساق مع منطق العلم المعني ليس ماذا يفعل الناس وكيف يسلكون وماذا يقولون؟ بل وهو الأهم لماذا يتصرفون على هذا النحو ولماذا يقولون ما يقولونه عن أنفسهم وعن الآخرين؟ ولماذا يدركون العالم على هذا النحو؟

وتنطلق فرضيتنا الأساسية من الاعتقاد أن الهويات بمختلف صيغها الجمعية ومنها الطوائف المتنوعة ليست مشكلة في ذاتها وبذاتها كما أنها ليست مشكلة دينية خالصة، وإن بدت كذلك أحيانا، بل هي ظاهرة اجتماعية سياسية تاريخية ثقافية متصلة بحياة الكائن الحر المفطور على التنوع والتعدد والاختلاف، إذ لا يوجد شخصان حتى بين أولئك الذين لا يرتابون قط في ثقافتهم متماثلان حد التطابق، ومن ثمة فإن التنوع الهوياتي في الوضع الأصلي هو مصدر ثراء ونماء وازدهار للحياة الإنسانية، غير أن ما يجعله يتحول إلى (هويات قاتلة) وطائفية خطيرة هو علاقات الهيمنة وسياسات إدارة شبكة القوة وتصريفها حيث تبرز الهويات بمختلف صيغها وصورها وتمثّلاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية بوصفها رهانات صراع حول التسمية والتصنيف والتعريف صراعا يستهدف تمكين أو حفظ وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة أو قلبها وتغييرها بصيغ علاقة أخرى. وبذلك يمكن تشبيه الهويات بالفارماكون الأفلاطوني (السم والترياق).

وبهذا المعنى يمكن للهوية أن تكون سلاحا ذي حدين؛ فهي من جهة تؤدي وظيفة ايجابية تمنح الجماعة شعورا بالانتماء والقوة والثقة وهذا هو سر جاذبيتها السحرية ومن جهة أخرى مسعى لتأكيد الاختلاف والتميز والاستبعاد للآخرين سرعان ما يتحوّل إلى تعصب وعنصرية وكراهية في المجتمعات غير الصحية.

باحث يمني

6