سوشي

السبت 2017/07/15

الحب من النظرة الأولى لا ينجح في جميع الحالات، وهذا ما حدث معي عندما التقيت للمرة الأولى بالطبق الشعبي الياباني “سوشي”.

اكتسب الطبق المصنوع من حصص صغيرة وأنيقة من الأرز مع أنواع من حشوات وتغطيات وتوابل متنوعة، سمعة طيبة وشعبية كبيرة خلال السنوات الأخيرة، لكن هناك شريحة كبيرة من الناس في مختلف أرجاء العالم مازالت لا تستطعم المذاق الغريب والتشكيلة اللونية الغامضة لهذا الطبق، إضافة إلى أن أغلب مكوناته تحضّر مدخنة أو نيئة خاصة شرائح السمك واللحم.

استغرق مني الأمر مرات عدة لأتعرف إلى السوشي وأقع في غرامه، ثم بدأت بتتبع مصادر بيعه، أفضل المطاعم، أفضل المكونات حتى وصلت بي الوقاحة إلى محاولة إعداده في المنزل؛ مع سلسلة طويلة ومعقدة من التحضيرات لجمع المواد الأولية من السوق وطبعا، فشلت التجربة فتحول الناتج إلى ما يشبه طبق “الدولمة” العراقي الشهير!

ولهذا، عدت أدراجي إلى المحلات التي تقدم السوشي في لندن، لأحظى مرة واحدة، على الأقل، في الأسبوع بتذوق المكونات الرائعة وكان خياري دوما سوشي بالمأكولات البحرية، لكنني، صرت مضطرة لإخفاء إعجابي به عن أعين أفراد أسرتي، الذين يفضلون عليه الأطباق الشرقية والغربية التقليدية.

بصورة نادرة، عربيا، ظهرت كلمة “سوشي” في بعض البرامج الفكاهية ورسومات الكاريكاتير على أنها تعريف للأطفال الذين يولدون من أب سني وأم شيعية أو العكس؛ فصار يطلق عليهم لقب “سوشي” تندرا، في إشارة إلى جيل جديد من الأبناء لآباء رفضوا الخنوع لقوانين مجتمعية ظالمة تبني علاقات الناس على وفق مفاهيم عرفية ومذهبية غير مقبولة وتحاول وضعهم في قوالب جاهزة، وكأنهم فئران تجارب لا يمتلكون من أمر أنفسهم شيئا.

في العراق ومناطق كثيرة من لبنان كما أظن، لم يعد هذا النوع من الارتباط بين طرفين مختلفين في المذهب (بالولادة)، أمرا غريبا، وعلى الرغم من الأحداث السياسية الساخنة في المنطقة، فإن الأمر في طريقه إلى أن يصبح ظاهرة في بعض الدول العربية والإسلامية الأخرى، وقد لا يكون الموضوع مستساغا أول الأمر من قبل الكثيرين، وربما يعاني بعض أطفال “السوشي” من نظرات قاسية أو يقعون ضحية أحكام غير موضوعية ويتم رفضهم من قبل أقرانهم في المدرسة وساحات اللعب، كما يحدث أحيانا، لكنهم في النهاية يتعايشون مع واقعهم ويبقون أعينهم معلّقة على وجوه أمهاتهم وآبائهم، يتعلمون منهم المحبة والتسامح ونبذ الاختلاف مع (الآخر)، الشريك في الحياة والوطن.

لا يسعنا هنا أن نكون متفائلين إلى حد كبير، فالأمر أكثر تعقيدا مما قد نظن، لكن الأمل موجود؛ فهناك آلاف المكونات من “السوشي” في العالم وأجيال عديدة نشأت عن زواجات لآباء وأمهات من ديانات، قوميات، مذاهب وأعراق مختلفة، فلماذا لا تكون لـلأطفال “السوشي” المسلمين من السنة والشيعة الفرصة ذاتها؟

سيكون المذاق أول الأمر غير مألوف، وربما نحار في الزحام الذي تحدثه ألوانه ومكوناته، وربما نفضل عليه بعض الطبخات الأكثر شعبية؛ طبخات ورثناها عن عادات وتقاليد أكل عليها الدهر وشرب، ربما وربما، لكن الحب، قد لا يحدث من النظرة الأولى.

جربوا مذاق هذا الطبق الغريب ستجدونه لذيذا، خاصة إذا كان لديكم في المنزل، مثلي، طفلان جميلان من سلالة “السوشي” النادرة، يبتسمان في وجوهكم ويلوّنان بالفرح غيمات الحزن التي تحلّق في سمائكم كل صباح، من دون أن يدركا بأن البعض يعتبرهما “سوشي” غير قابل للهضم. أما أنا فسألتهما كل أنواع السوشي التي تقع في طريقي، وأستبدل الشاي الأخضر بقبلة على جبيني طفليّ!

كاتبة عراقية

21