سوف أجدك

الرسمة كانت هي الرد الذي بعثت به سوزانا كاهالان من خلف تلك الحواجز الكتيمة في عالمها البعيد، الذي يفصلنا عن أطفالنا وعن أولئك الذين لا نعرف ما بهم.
الجمعة 2019/08/02
سوزانا تابعت حياتها كصحافية وأصدرت كتابا ضم مقالات لها روت فيها قصتها

انتشرت قبل فترة قصة مثيرة عن فتاة مريضة طلب منها طبيبها أن تقوم بفعل شيء من أجله، وعند تلك اللحظة تغيّر عالمها. وقد توقفتُ طويلاً أنظر إلى ذلك التخطيط الذي طلب الطبيب الدمشقي الأميركي سهيل النجار من مريضته أن ترسمه على ورقة بيضاء.

جاءت بها أمها إليه، بعد أن فقدت الأمل، اشتكت من أن سوزانا تتصرف بشكل غريب، فهي تتقلب ما بين البهجة والحزن، في كثير من الأوقات تبدو كسولة وفي أوقات أخرى تصاب بنوبات بكاء وضحك. أحياناً يتغلب عليها الغضب أو تكون عدوانية بلا مبرر، حتى عجز الأطباء عن تحديد حالتها المرضية بدقة.

تخطيط سوزانا على الورقة كشفت مرضها
تخطيط سوزانا على الورقة كشف مرضها

النجار الذي يعمل أستاذا لعلم الأعصاب في جامعات نيويورك، استمع إلى ما قالته الأم، أخرج ورقة بيضاء، وطلب من سوزانا أن ترسم عليها ساعة. وحين انتهت الصبية من الرسم، أدرك ما بها بالضبط. قامت سوزانا برسم ساعة تتجمع فيها الأرقام كلها في النصف الأيمن فقط من الساعة، بينما يخلو النصف الأيسر من أي أرقام.

فأدرك على الفور ما كان يبحث عنه، وشخّص مرضها بأنه “التهاب مناعي في الجزء الأيمن من الدماغ”، أو “أنتي.إم.دي.إيه”، وكان عليه أن يجري جراحة لذلك الجانب المصاب من عقلها. فأنقذ حياتها ومستقبلها، بعد أن تم استئصال جزء من الفص القفوي في دماغها.

سوزانا لم تنس هذا المنعطف المصيري، تابعت حياتها كصحافية، وأصدرت كتاباً ضم مقالات لها نشرتها النيويورك تايمز روت فيها قصتها. وكان عنوان الكتاب “الدماغ المشتعل” حقق النسبة الأعلى من المبيعات في الولايات المتحدة.

سوزانا وهي مريضة ثم حين تعافت لاحقاً، لم تنس جملة كان يقولها لها الطبيب النجار؛ كان يردّد أمامها عبارة وحيدة. حينها كانت مسافات هائلة من الغموض تفصل سوزانا عن الأطباء والأهل وكل ما حولها، لكن النجار أرسل إليها بتلك الرسالة لتعبر الصحارى الشاسعة وتصل إلى مسمعها، وتشعرها بالطمأنينة.

وكانت تلك الرسمة هي الرد الذي بعثت به سوزانا كاهالان من خلف تلك الحواجز الكتيمة في عالمها البعيد، الذي يفصلنا عن أطفالنا وعن أولئك الذين لا نعرف ما بهم، وما فعله الطبيب كان فقط عزفه كما لو كان يستعمل شيفرة مورس ليقول تلك الجملة الذهبية “سوف أجدكِ”. العبارة التي لا نقولها لأحد من حولنا.

24